يعد انتقاد ميت رومني لكونه رجل أعمال يتبنى قيماً خاطئة، أمراً مختلفاً عن اتهامه وشركته السابقة "باين كابيتال" بفعل أشياء سيئة. وإذا كان ما فعلته باين كابيتال في ظل إدارة رومني، أمراً سيئاً بالنسبة لأميركا، فإن العبء ينتقل إلى عاتق منتقديه، لاقتراح قوانين من شأنها أن تردع باين وغيرها من الشركات عن القيام بأمور سيئة من هذا القبيل في المستقبل. لا تعلقوا آمالاً كبيرة على ذلك.
يقول نيوت غينغريتش، إن باين في ظل إدارة رومني انتهجت "أساليب قانونية ذكية لنهب الشركات". وأطلق عليها غينغريتش "نموذج وول ستريت"، حيث "يمكن للمرء بصورة أساسية الحصول على كل المال، تاركاً وراءه العمال"، وقال: "لو أن شخصاً ما قدم إلى شركتك، واستولى على أموالها بالكامل، ومن ثم تركها مفلسة، فيما غادر هو بملايين الدولارات، فلا يندرج ذلك في إطار الرأسمالية التقليدية".
أين كان نيوت خلال السنوات الـ30 الماضية؟ فقد أصبحت عمليات الاستحواذ بالاقتراض جزءا من الرأسمالية التقليدية في ثمانينات القرن الماضي، عندما شرع الممولون في اقتراض أكوام من المال، وغالبا بأسعار فائدة مرتفعة، لشراء أسهم الشركات التي اعتقدوا أنها كانت "مقيّمة بأقل من قيمتها"، وهو التعبير الذي يستخدمه وول ستريت للإشارة إلى الشركات التي يمكن عصرها لتحقيق المزيد من الأرباح على المدى القصير، حيث يعمد الممولون إلى دعم القروض بأصول الشركات، ومن ثم يبيعون الأقسام ويخفضون الرواتب عادة، ويبيعون الشركات للجمهور بأسعار أسهم أعلى، ليستولوا على المكاسب.
وعادة ما تكون هذه الصفقات مجزية بالنسبة للممولين، ففي عام 1988 حققت عملية الاستحواذ على شركة "آر. جيه. آر نابيسكو"، التي كلفت 25 مليار دولار، لشركاء كولبرج كرافيس روبرتس، أرباحاً بما يقرب من 70 مليون دولار لكل شريك. ومعظم ثروة ميت رومني التي تقدر بـ200 مليون دولار، جاء عن طريق ذلك النوع نفسه من المناورات.
غير أن الصفقات ليست مجزية دائماً بالنسبة للشركات أو للعاملين فيها. بعض العمال يفقدون وظائفهم عندما يتم تقليص حجم الشركة، ويتم تسريح آخرين عندما تعجز الشركة، التي باتت مثقلة بالديون، عن دفع أقساطها للدائنين، وتفلس في نهاية المطاف. ووفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، فإن 22 شركة من بين الـ77 شركة التي استثمرت باين فيها في ظل إدارة رومني، إما أفلست أو أغلقت أبوابها قبل مرور ثماني سنوات على استثمار باين. ولكن، مهلا، هذه هي الرأسمالية الأميركية، على الأقل كما تمت ممارستها على امتداد العقود الثلاثة الماضية، وهي قانونية تماماً.
هل يقترح نيوت حظر الاستحواذ بالاقتراض؟ أو تحديد حجم الديون التي يسمح للشركات بالحصول عليها؟ أو منع الممولين من قلب الشركات، من خلال الاستحواذ عليها وهي خاصة، ومن ثم إعادة بيعها للجمهور بسعر أعلى بكثير؟
لا شيء مما ذكر أعلاه. فغينغريتش لا يقدم أية مقترحات، وجل ما يريده هو النيل من رومني.
وينتقد ريك بيري كلاً من رومني وباين كابيتال، لتجاوزهما الحدود في سعيهما لتحقيق الأرباح، وهو ما أسماه "رأسمالية النهش". وقال: "لا عيب في أن يكون المرء ناجحا وأن يجني المال، غير أن تحقيق الثروة من الفشل وعلى حساب شخص آخر، هو أمر لا يمكن الدفاع عنه".
ومع ذلك، فإن تحقيق الثروة من الفشل وعلى حساب الآخرين، هو ما يفعله وول ستريت كل يوم، وهو قانوني أيضاً. وكان قانون "غلاس - ستيغال" يفصل بين الأنشطة المصرفية التجارية والاستثمارية. ولكن منذ ألغي القانون في عام 1999، راح المصرفيون الاستثماريون يخاطرون بودائع البنوك التجارية، أي أموال الآخرين.
إذن، هل يقترح بيري إعادة إحياء قانون "غلاس-ستيغال"؟ محال.
يتحدث غينغريتش وبيري وغيرهما من منتقدي رومني الجمهوريين، عن الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم نتيجة لاستراتيجيات باين كابيتال، وعن المصاعب التي واجهوها هم وعائلاتهم، بما في ذلك فقدانهم لمنازلهم وتأمينهم الصحي ومدخراتهم. ويواجه ملايين الأميركيين صعوبات مماثلة، إلا أن المرشحين الجمهوريين للرئاسة لم يبدوا قدراً كبيراً من القلق. وعلى العكس من ذلك، فقد تسببوا في فقدان الملايين لمنازلهم، وتعهدوا بإلغاء قانون الصحة الذي دافع عنه الرئيس الأميركي باراك أوباما، تاركين عشرات الملايين من الأميركيين بلا تأمين صحي، وعارضوا تمديد فترة التأمين ضد البطالة.
لا شك أنني أؤيد إصلاح الرأسمالية، ولكن اسمحوا لي ببعض الشك في الموضوع، عندما يتعلق الأمر بالانتقادات الموجهة لباين كابيتال من قبل منافسي رومني الجمهوريين. وبصرف النظر عن هجومهم على باين كابيتال، فإن كل واحد منهم طالما استبسل في الدفاع عن الرأسمالية..
لقد كان هذا تاريخ الحزب الجمهوري منذ عشرينات القرن الماضي، وهو التاريخ الذي حفل بمحاربة شتى المحاولات الرامية إلى جعل الرأسمالية مجزية بالنسبة للناس العاديين. وفي المقابل، فإن الحزب الذي أنقذ الرأسمالية من تجاوزاتها الخاصة مراراً وتكراراً وحافظ عليها، هو الحزب الديمقراطي.
وبالتالي فإن السؤال المثير للاهتمام الذي يثيره الصخب الدائر حول قيادة ميت لباين كابيتال، لا يدور حول السبب في أن الجمهوريين ليست لديهم أفكار لتحسين طريقة عمل الرأسمالية، وإنما حول نوعية الإصلاحات الملموسة التي سيقترحها الرئيس أوباما في الانتخابات العامة، إذا كانت هناك أي اقتراحات على الإطلاق، لو أصبح رومني المرشح الجمهوري، عندما يبدأ هو الآخر في مهاجمة عواقب رأسمالية باين.