لعل أكثر ما يلفت انتباهنا كأكاديميين محليين أو خليجيين في لقاءاتنا مع نظرائنا الأكاديميين الغربيين، كثرة إلحاحهم علينا لاستخدام المنهج النقدي العلمي الجاف، في تناولنا لقضايا مجتمعنا وظواهره المختلفة وما يجري فيه من متغيرات سياسية أو اقتصادية. فهم يزعمون أن استخدامنا لهذا المنهج أو هذا الطرح، يظهر السلبيات تماما كما يظهر الإيجابيات، ويتعرض للقضية من كافة جوانبها بشكل دقيق يسهل تناولها فيما بعد والتعاطي معها.
أما بالنسبة لنا نحن فإننا نحس بأن هذا المنهج ليس على الدوام صالحا في تناولنا لقضايا مجتمعنا، خاصة المعاصرة منها. فهو ليس فقط يعرضنا أحيانا للخوض في مسائل مسكوت عنها مجتمعيا، بل قد يعرضنا للمساءلة، ليس فقط المدنية، بل المجتمعية أحيانا كثيرة.
فليست كل ظاهرة محلية أو خليجية نستطيع الكتابة عنها أو التحدث عنها بكل حرية ودون حدود, وليس كل موضوع قابلا للنقاش العام والتداول والطرح, بل وليس كل موضوع يمكن طرقه أو مقاربته من كافة أبعاده وجوانبه دون وجل. فهناك حقائق معروفة ولكنها غير قابلة للنقاش العلني, هناك قضايا إثارتها, في هذا الوقت بالتحديد, تعني خلق بلبلة نحن في غنى عنها, وهناك اتجاهات فكرية لا يمكننا إلا تهميشها، لأنها لا تهدف إلا لشق صفنا.
هذه الحقائق على الرغم من أنها ليست غائبة عن الأكاديميين الغربيين، خاصة أولئك الذين يعرفون مجتمعاتنا جيدا, إلا أنهم يصرون عليها لعدة أهداف. فمن ناحية، هم يدركون جيدا أننا أكثر التصاقا بمجتمعنا وأكثر قدرة منهم على تحليل كل ظاهرة، التحليل الصادق الذي يريدون هم التوصل إليه.
وثانيا لأنهم بحاجة لذلك التحليل الذي يقيس وربما يعكس مؤشرات الرأي العام المحلي، لأنهم مكلفون من قبل هيئات أو مراكز بحثية غربية أو ما يعرف باسم (ThinkTank)، يغذونها بكل ما يعرفونه عن ما يدور في مجتمعاتنا، لذا يصرون على هذه النوعية من التحليلات، حتى وإن كانت على حساب إثارة اللغط في مجتمعاتنا وبث الفرقة وإحداث بلبلة.
وأخيرا فهم غير مصدقين, خاصة في بعض الحالات الإيجابية، أنه يمكن لدول خارج نطاق الغرب أن تشهد تطورا إيجابيا دون مساعدة غربية. فهم يحسبون أن التطورات الإيجابية مقصورة عليهم، أو إن حصلت فهي بمساعدتهم. هذه النظرة الفوقية للمجتمعات الأخرى تزعجنا, فنحن بالنسبة لبعض الغربين، ما زلنا أتباعا لهم ومن رعايا المستعمرات السابقة، وبالتالي فإن أي تطور يحصل لا بد أنه مرتبط بهم، إن لم يكن تاريخيا فحضاريا.
هذه النوعية من المساجلات والمقارعات، نتعرض لها حين نلتقي بالغربين في المحافل العلمية أو حتى اللقاءات العادية التي تجمعنا بهم بين الحين والآخر. ولنكن صريحين، فليس كل شخص منا هو باحث مؤهل يمتلك الأدوات العلمية اللازمة لمقارعة الحجة بالحجة، ولنكن أكثر صراحة حين القول بأننا كمواطنين وخليجيين، يتغلب علينا أحيانا التحليل العاطفي والوجداني أكثر من التحليل العلمي، خاصة في ما يتعلق بمواقفنا وبتفسيرنا للقضايا المصيرية والرموز الوطنية. لذا فإن تحليلنا، على الرغم من صدقه، إلا أنه قد لا يكون تحليلا علميا أو مقنعا أو مرضيا أحيانا لأولئك الباحثين، والذين قد يؤولون تحليلاتنا تأويلا آخر.
من هنا تظهر لنا الحاجة أهمية وجود مراكز علمية أو بحثية متخصصة في القضايا المجتمعية، تقدم لهم الإجابات الشافية, كما تظهر لنا الحاجة أهمية إقامة مراصد اجتماعية تدرس قضايا المجتمع، تماما كما تدرس نظرة الآخر لمجتمعنا وما يكتبه وينتجه عنا. وجود هذه المراكز والمراصد سوف تكون له فوائد عدة.
فهي من ناحية ستقدم لنا، وبصورة مستمرة وصحيحة، ما ينتجه الآخر من أبحاث عن مجتمعنا، والاتجاهات الفكرية السائدة والقضايا التي تشغله، وبالتالي تتاح لنا فرصة بلورة أفكارنا وطريقة تعاطينا معه، ومن ناحية أخرى فإنها تخدمنا علميا وبحثيا. فهي تقدم للآخر صورة علمية وصحيحة عنا وعن مجتمعنا, صورة علمية متسقة مع طريقة تفكيرنا ومستقاة من واقعنا.
ذلك المرصد، أو لنقل تلك المراصد, تقدم للآخر كل ما يحتاجه، وتتناول تساؤلاته بالدرس والبحث، وهي الوجهة المثالية لأولئك الراغبين في الإجابة عن تساؤلاتهم بشأن مجتمعنا وما يدور فيه, وهي الجهة الصحيحة التي تقدم إجابات علمية شافية، ليس فقط للآخر، بل للكثير من الباحثين المواطنين أو أولئك الراغبين في مواصلة دراساتهم العليا.
تلك المراصد بالطبع تكون مجهزة بباحثين مؤهلين ومتخصصين في كافة التخصصات، ومستعدين للإجابة عن أي سؤال يختص بقضايا المجتمع وتطوره الآني، كما أن تلك المراصد مجهزة بمكتبة علمية تحتوي كل ما يحتاجه الباحث في رحلة البحث والدراسة.
إن مجتمعنا قد بلغ الآن سن النضج وآن له أن يفكر بعيدا عن الوصاية الجافة بكافة أشكالها، ويمكن أن تكون أول خطوات مجتمعنا نحو سن النضج تلك، هي حقه في أن يشكل مراصد مجتمعية تعنى بمراقبة الأوضاع العامة وإعطاء صورة صحيحة وسليمة وموضوعية عن مجتمعنا. فهي ليست مستقاة من تقارير الآخر المليئة بالأخطاء وبالرغبة في إثارة مواضيع مثيرة للجدل ومهيجة للرأي العام ومثيرة للبلبلة, وفي الوقت نفسه ليست بالصورة العاطفية الوجدانية الخالية من الأمانة العلمية والدقة والموضوعية، ولكن الصورة النقدية الإيجابية للحاصل في مجتمعنا من تطورات واتجاهات.
ويجب أن لا نخجل من إظهار نقاط الضعف في مجتمعنا، ولا من نقد ذواتنا النقد الإيجابي البناء الذي يهدف إلى الارتقاء بأنفسنا وبذواتنا وبمن حولنا، فهذا النقد هو الذي سيرسم لنا الطريق الصحيح الذي سنسير عليه. إنها وظيفة المرصد الذي نأمل أن يأتي إنشاؤه هدية لمجتمعاتنا، في سن نضجها.