أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، عشية استكمال انسحاب قوات بلاده العسكرية، أن الولايات المتحدة تغادر العراق وقد غدا بلداً ديمقراطياً مستقراً يتمتع بالسيادة الكاملة. والحقيقة أن الرئيس الأميركي بإعلانه هذا لم يعبر بصدق عن حالة العراق، وإنما ليستغل ذلك في حملته الانتخابية للحصول على فترة رئاسية ثانية.

تصريحات السياسيين أمام وسائل الإعلام، في معظم الأحيان، لا تتسم بالشفافية، إلا أنها رغم ذلك لا تستطيع أن تخفي الحقائق أو تشوهها. فهناك تباين كبير بين الصورة الوردية التي يرسمها الرئيس أوباما للوضع في العراق، وبين واقع الحال البائس الذي يعيشه العراقيون، وهناك مسافة طويلة قد لا يستطيع العراق قطعها لتحقيق ما ذهب إليه الرئيس الأميركي.

والحقيقة أن الرئيس أوباما بسياساته الانسحابية المناقضة لسياسات سلفه الانقضاضية، قد حقق مكسباً أمام الرأي العام الأميركي لصالح حملته الانتخابية، حين أوفى بالوعد الذي قطعه في أجندته الانتخابية السابقة، وهو سحب القوات الأميركية وإعادتها إلى وطنها وفق الموعد المحدد في اتفاقية عام 2008، إلا أنه من جانب آخر يخاطر هو وحزبه، بتعريض حملته الانتخابية لنيران قوية من الحزب الجمهوري، إذا غرق العراق في الفوضى، وهو أمر غير مستبعد في ضوء الأزمة السياسية المستفحلة في العراق.

فذلك سيلقي ظلالاً شديدة الكآبة على حملته الانتخابية. فالانسحاب الأميركي المبكر من العراق والتفريط في المكاسب التي حققها الجمهوريون، على حد زعمهم، ورقة قوية في أيدي الحزب الجمهوري دخلت في الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية، لتقليص حظوظ الرئيس أوباما في الفوز بفترة رئاسية ثانية.

على أرض الواقع، ما ذهب إليه الرئيس الأميركي لا وجود له، فالعراق يفتقر للاستقرار بشكل مخيف، أما النظام الديمقراطي الذي تكلم عنه الرئيس، فهو في واقع الحال أبعد ما يكون عن ذلك، فقد بدأ بالتحول للدكتاتورية تحت سمع الولايات المتحدة وبصرها، وربما بمباركتها، في أجواء من فوضى مدمرة قد تنهي وحدة العراق. أما السيادة التي يتمتع بها العراق والتي أشاد بها الرئيس كمكسب ساهمت بلاده في تحقيقه، فتدحضها أنشطة وتدخلات سفارات دول عدة في بغداد، أولها سفارة بلاده.

العراق يعيش في الظرف الراهن أضعف حالاته، فقد أصبح مسرحاً للصراعات الإقليمية، والمسؤول عن تدهوره وتمزيق لحمته، بالدرجة الأولى، ليس الغرباء، وإنما فئة من أبنائه سمحت لهم ظروف خاصة بأن يسهموا في رسم مسارات المستقبل للعراق. ربما يكون البعض منهم مساقاً بحسن النيات لقصور إدراكه لأبعاد المشهد السياسي ومآلاته..

وربما يكون البعض الآخر قد ارتهن عن وعي إرادته للغير. فقد عادت التجاذبات الطائفية بين النخب السياسية لتطل من جديد على أشدها، وعاد تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى لممارسة ضرباتهم بقوة وعنف، لدفع البلد إلى المزيد من التردي والاقتراب من الاحتراب الطائفي الداخلي، ساخرين من كفاءة الأجهزة الأمنية، ولم تعد التدخلات الخارجية تقتصر على القنوات السرية غير المنظورة، بل اتخذت أبعاداً جديدة لا يخلو بعضها من طابع تهديدي وإن اكتسى صبغة تحذيرية.

مقابل ذلك، ما هو مطروح للخروج من هذه الأزمة الخطيرة، ليس غير دعوة الرئيس جلال الطالباني المدعومة بقوة من الجانب الأميركي، لعقد مؤتمر وطني ليصار فيه إلى إحياء التوافقات المبرمة بين الفرقاء، والتي لم تنفذ أو يتم وضع توافقات جديدة حولها تتفق مع موازين القوى الجديدة، وبكلمات أخرى محاولة لتأجيل انفجار الأزمة، إذ لا موعد محدداً لعقد هذا المؤتمر.

ولا تفاؤل بعقده قريباً، ولا تفاؤل بنجاحه إن عقد. العراق يمر بأخطر مرحلة في تاريخه، والوضع منفتح على كل الاحتمالات، والدولة العراقية أكثر قرباً من أي وقت مضى إلى حافة الانهيار، فنموذج التوافقات اللبنانية وحكم أمراء الطوائف، الفاشل في لبنان نفسها، لا فرصة حقيقية لنجاحه في العراق.

الجديد في هذا السياق، أن التحالف الكردستاني لم يعد يلعب دور الوسيط والمهدئ في العملية السياسية المعقدة في العراق، كما يبدو ظاهرياً في دعوة الرئيس الطالباني. فقد أصبح هذا التحالف في الفترة الأخيرة أكثر بعداً عن دولة القانون التي تتزعم الحكومة، وأكثر قرباً من القائمة العراقية، وذلك لسببين رئيسيين:

أولهما ازدياد قناعة هذا التحالف بعدم جدية حكومة المالكي في تنفيذ الاتفاقات السابقة، وأبرزها اتفاقية أربيل التي انبثقت عنها الحكومة الحالية، إضافة إلى التلكؤ في تنفيذ المادة 140 من الدستور، الخاصة بمحافظة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها.

وثانيهما أن هذا التحالف قد وجد بحكم خارطة التوزيع السكاني في المحافظات المتاخمة للإقليم، بأن القائمة العراقية المسنودة إلى حد كبير من سكان هذه المحافظات، هي الجهة الأكثر ثقلاً في التأثير في مسارات مستقبل محافظة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها.

هناك طبعاً أمور أخرى تتعلق بتحفظ التحالف الكردستاني على الأهداف بعيدة المدى، التي تسعى دولة القانون لتحقيقها في العراق والمتمثلة في دولة ذات طبيعة غير مدنية، وتحفظاته كذلك على أسلوب إدارة الدولة والانفراد باتخاذ القرارات، دون مراعاة لمواقف وآراء الشركاء في العملية السياسية، الذين يجري تهميش دورهم بشكل منظم ومدروس.

المؤتمر الوطني الذي دعا إليه الرئيس الطالباني، بدأ مشاوراته عبر لقاءات ممثلي الكتل السياسية وسط أجواء متشنجة ومتوترة، ووسط ضغوط أميركية شديدة للتوصل إلى إجماع للحفاظ على العملية السياسية بأطرها الحالية.

وهو مسعى من الصعب جداً تحقيقه في أجواء التناحر السياسي الداخلي الذي وصل حد التشهير والتسقيط، وفي أجواء إقليمية من السهل أن يصدر الجار الشرقي أو الجار الغربي، اللذان يشتبكان مع الأسرة الدولية بصراعات غاية في الالتباس، بعض مشاكله لتفجير الساحة العراقية ليحصل على فرصة، ولو ضئيلة، ليتنفس الصعداء.

سفينة العراق تبحر وسط بحور متلاطمة وموجات عاتية، ربابنتها يقتتلون على عجلة القيادة وكل حجز لنفسه قارباً للنجاة، فأين سترسو هذه السفينة إن بقيت عائمة؟