يبدو أن الأزمة السورية تزداد تعقيداً شهراً بعد شهر، حتى كادت أن تصل إلى طريق مسدودة مغلقة أمام أي حل محتمل أو حتى أمام أي تسوية، لأن السلطة السياسية السورية، ما زالت تعتقد أن الحل الأمني الممثل بالعنف والاعتقال وتفريق المظاهرات بالقوة وملاحقة المتظاهرين، هو الوسيلة الوحيدة لإنهاء الأزمة وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 15 مارس الماضي تاريخ بدء الانتفاضة.
ويستتبع ذلك أن هذه السلطة لم تحاول ولا تريد أن تحاول تجربة الحل السياسي، أو القيام جدياً بأي إصلاح حقيقي، ولم تسر خطوة أو خطوات للوصول إلى التهدئة وإزالة التوتر، وتصر على استمرار السير في طريق اللاعودة عن سياساتها بعد عشرة أشهر من الانتفاضة ومن ممارسات الحل الأمني، ولم تقتنع بعد بفشل هذا الحل بل وتعقد عليه آمالاً كبيرة.
ومن طرف آخر يستمر الحراك الشعبي ويتسع يوماً وراء يوم، ويتعمق مضمونه باستمرار من خلال تطوير شعاراته وزيادة مطالبه التي بدأت بالحرية والكرامة ثم بإصلاح النظام ووصلت اليوم إلى المطالبة برحيل الرئيس وإسقاط النظام. ولم تهزم سياسة السلطة العنفية الحراك الشعبي، لا من حيث إجباره على التراجع، ولا من حيث إلزامه تخفيف حدة شعاراته. والملاحظ أن هذا الحراك يرفض أي تسوية مع النظام مهما كان شكلها أو درجتها أو مضمونها أو منهجها ويطالب برحيل النظام وسقوطه دون قيد ولا شرط.
وهكذا وصلت الأزمة السورية إلى موقفين مختلفين بل متناقضين، لا يبحث أي من أنصار كل منهما عن تسوية ولو بالحد الأدنى مع الآخر ولا عن نقاط لقاء مشتركة، فالنظام من جهة يصر على سياسته القائمة على إنهاء التظاهر بالعنف دون تقديم تنازلات سياسية أو القيام بإصلاحات جدية ومناسبة. والحراك الشعبي من جهة أخرى يصر على إسقاط النظام بكل رموزه، وهكذا وصل الطرفان إلى طريق مسدودة لا نافذة فيها ولا ضوء في آخرها، مما يوحي بأن الأزمة لا حل لها موضوعياً وواقعياً في الأمد القريب.
ربما كان الحل يحتاج إلى وحدة تيارات المعارضة السياسية السورية، التي تضم عدة تنظيمات وتآلفات من أحزاب سياسية من اليمين واليسار: ليبرالية وإسلامية وقومية ويسارية، أو التنسيق بينها، وصولاً إلى الاتفاق على برنامج مشترك وخارطة طريق, إن أهم تيارات المعارضة هما تياران رئيسيان: المجلس الوطني السوري (معارضة الخارج) وهيئة التنسيق الوطنية (معارضة الداخل) ويوجد تنظيمات معارضة أخرى قريبة من النظام السياسي، وقليلة العدد وغير مؤثرة وليس لها جماهيرية فعلية.
لقد تبنى المجلس الوطني السوري شعارات الحراك الشعبي كما هي، وهي شعارات تعبر عن مشاعر الجماهير المقموعة والمظلومة، التي تتعرض للاعتقال والقمع والقهر والقتل، ورغم أنه يمكن فهم هذه الشعارات، إلا أنه من الصعب أن تشكل برنامجاً سياسياً لحل الأزمة لأنها مجرد صيحات مظلومين. وليست صالحة لنقل المجتمع السوري والنظام السوري إلى مجتمع ديمقراطي ونظام ديمقراطي تعددي تداولي.
إضافة إلى أن المجلس الوطني يسعى إلى تدويل المشكلة واستقدام قوات عسكرية أجنبية لحلها، حسبما صرح معظم أعضائه. أما هيئة التنسيق فإنها طرحت برنامجاً سياسياً في إطار ثلاثة شعارات هي (لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل العسكري الأجنبي) لكن الحراك الشعبي لم يقتنع أو يكتفي بهذه الشعارات، لأنه لا يتوقف كثيراً عند أي برنامج سياسي لا ينادي بالإسقاط الفوري للنظام بكل رموزه، حتى لو كان ذلك عن طريق تدخل عسكري دولي، .
ولهذا فهو لا يؤيد هيئة التنسيق بل يؤيد بدلاً عنها المجلس الوطني، الذي يتبنى تلك الشعارات، ولا يتوقف الحراك الشعبي لا عند ضرورة وجود برنامج سياسي ولا يرغب القبول بأية تسوية تاريخية، ويكرر رغبته إحالة الملف برمته إلى مجلس الأمن وتدويل الأزمة، ولا يثنيه عن موقفه أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية صرحت أكثر من مرة أنها لا ترغب بالتدخل العسكري بشؤون سوريا، بل يرى بعض المحللين والمراقبين أن الولايات المتحدة لم تقرر حتى الآن إسقاط هذا النظام.
وتركت الباب موارباً منذ بدء الانتفاضة حتى أيامنا، رغم التصريحات الطنانة والاستعراضية، وبقيت تركيا وحدها هي التي تؤيد التدخل العسكري بمختلف أشكاله، ويعتقد بعض المراقبين أن رهان المجلس الوطني على التدخل العسكري، سينحي جانباً البدائل الداخلية الأخرى ويلغيها في حيز الواقع، كالإضرابات الشاملة والاعتصامات في الساحات والشوارع ثم العصيان المدني في نهاية المطاف، مما يصدع النظام ويضطره للتنازل والرحيل حسب رؤية هيئة التنسيق (المعارضة الداخلية).
يتعذر وضع الأزمة السورية على طريق الحل بدون وحدة المعارضة، ووضع برنامج سياسي شامل للحل، وخارطة طريق، والتواصل مع الحراك الشعبي لإقناعه بجدوى هذا البرنامج، وما دام ذلك لم يحصل فإن الأزمة السورية ستبقى مشتعلة، أخذاً بالاعتبار مواقف النظام من جهة، والحراك الشعبي من جهة ثانية، وتبعثر المعارضة من جهة ثالثة، وإن بقي كل طرف يتمترس في مكانه، فلن توجد إمكانية للعثور على جسر عبور يحقق توافقاً على مشتركات تضع الأزمة السورية على طريق الحل، ويبدو أنه لا بد من الانتظار شهورا أخرى.