حكومات الشراكة الوطنية أو الوحدة الوطنية، هي الاستثناء وليست القاعدة في الأنظمة الديمقراطية، تتشكل عادة في فترات نادرة من حياة الشعوب، حين يتعرض أمنها لتهديد خطير يصبح من ضرورات التصدي له تجميد الخلافات بين الفرقاء وترحيلها لحين آخر. ما نشهده في العراق منذ تشكيل ما أطلق عليه مسمى حكومة الشراكة الوطنية، هو عكس ذلك، فالبلد لا يواجه خطرا خارجيا يهدد وجوده، وإنما يواجه خطرا داخليا يهدده بسبب مصالح نخبه السياسية المتضاربة، التي أفرزت حكومة مشلولة غير قادرة على أخذ البلد إلى بر الأمان.
مناكفات لا أول لها ولا آخر تطورت مؤخراً، وبالتحديد مع انسحاب القوات الأميركية، إلى إجراءات اجتثاثية تسقيطية كبيرة، في تحد صريح لجميع التوافقات التي بنيت عليها العملية السياسية، والتي تمخض عنها ميلاد الحكومة الحالية برئاسة المالكي. نستمع ونقرأ كل يوم تصريحات مدوية يختلط فيها الغث مع السمين، وتتطاير التهم الخطيرة في الهواء لتلتصق بهذا الثوب أو ذاك غير مستثنية أحدا، ولم يسلم رئيس الجمهورية نفسه من ذلك.
والحقيقة أنه رغم الفوضى في المواقف والتصريحات، ورغم الإفراط الشديد في استخدام حقوق إبداء الرأي مقابل التفريط الشديد في حقوق الناس التي يزداد قلقها على نفسها وعلى عموم البلد من تردي الأوضاع، فإن بعض ما يدور ليس عفوياً مرجعه ضعف الكفاءة أو قلة الخبرة لدى الكثيرين ممن يشغلون مراكز حساسة في الدولة، بل بسبب طغيان المشروع الحزبي الضيق على المشروع الوطني الأوسع. فبعض التصريحات غير المسؤولة التي تصدر عن هذا النائب أو ذاك، تعكر الأجواء السياسية وتعمل على تعميق الأزمة وتوسيع دائرتها، على الرغم من أن من تصدر عنه يتستر بالدستور. تصريحات كهذه لا يمكن صدورها عن نوايا حسنة في هذه الظروف التي يمر بها العراق.
العملية السياسية تمر بأزمة هي الأولى منذ الانسحاب الأميركي من العراق، وهي الأشد والأخطر على مستقبل البلد. الشلل الحاصل في العملية السياسية، يرجع بالدرجة الأولى إلى وجود الخلافات بين دولة القانون والقائمة العراقية، وبدرجة أقل بين التحالف الكردستاني ودولة القانون. هذه الأزمة ليست من غير مقدمات، فبوادر انهيار العملية السياسية والانتقال إلى المواجهة العلنية بين الفرقاء، بدأت منذ البدايات الأولى بعيد التاسع من إبريل من عام 2003، واتخذت منذ ذلك الحين أنماطاً شتى.
فبعد الضربة التي وجهت للقائمة العراقية باستهداف نائب الرئيس طارق الهاشمي، هناك ما يشير إلى أن المالكي سيوجه ضربات أخرى لأقطاب هذه القائمة، تمهيداً لإبعادها بشكل نهائي عن المسرح السياسي، فالشلل في العملية السياسية يتطلب الحسم. القائمة العراقية، أكبر شريك لدولة القانون في الحكومة، من جانبها مصممة على المواجهة والاستمرار في تعليق حضورها في مجلس النواب، بعد أن أصدرت قرارها بفصل ستة من أعضائها الذين خرقوا قرارها وحضروا اجتماع المجلس، وحذرت وزراءها بمصير مماثل إذا لم يلتزموا بقرار التعليق، على الرغم من أن قرار التعليق لم يسهم في تعطيل عمل مجلس النواب الذي انعقد مؤخراً باكتمال نصابه.
التحالف الكردستاني يلعب دور إيجابياً في مواجهة هذه الأزمة والتعامل معها، فقد سارع الرئيس العراقي للدعوة لعقد المؤتمر الوطني لفض النزاعات، وفق نصوص الدستور وآلياته، وتذليل الصعوبات الكثيرة التي تعرقل انعقاده، وأبرزها الشروط المسبقة التي يضعها كل طرف كشرط لحضوره. والحقيقة أن الفشل في انعقاد هذا المؤتمر، بمثابة انهيار للعملية السياسية التي بنيت على أسس المحاصصة، على الرغم من أن انعقاده قد لا يمنع انهيارها. ويبدو أن أطرافاً هامة في العملية السياسية، لم تعد تخفي قناعاتها بعجز الفرقاء عن تجاوز هذه الأزمة فلجأت، وبشكل علني، إلى الطلب من دول أخرى للمساعدة في ذلك.
فض الاشتباك بين دولة القانون والعراقية لن يكون من غير ضحايا، لأن مستوى الخلاف اتخذ بعداً جديدا، فمع أن معظم الأطراف تحرص عند الحديث عن قضية نائب الرئيس الهاشمي، على تأكيد أن القضية يحسمها القضاء، إلا أنها قد تضخمت كثيراً بفعل تدخلات من أوساط كثيرة داخل العراق وخارجه، وأصبحت قضية سياسية أكثر مما هي قضائية، وأصبح الوضع العام مرشحا للتصعيد أكثر من التهدئة.
من الصعب رؤية طريق سهل للخروج من هذه الأزمة، فرئيس الوزراء الذي قرر حسم الخلافات بطريقته، قد لا يتمكن في نهاية المطاف من الاستمرار في قيادة عربته، لأن عليه المراهنة على خيارات قد لا يتمكن من ضمانها، سيما وأن شركاءه في التحالف الوطني قد لا يسعفونه في ذلك، لأسباب تتعلق بحجم الدور الذي لعبه في تهميشهم وإضعاف دورهم.
الخيار في حالة خروج العراقية من الحكومة، وليس من العملية السياسية، هو تشكيل حكومة أغلبية، وهو خيار جرى التلويح به في الآونة الأخيرة من قبل أكثر من مسؤول في دولة القانون، من ضمنهم المالكي نفسه. ولكن حكومة أغلبية نيابية كهذه، ليس استبعاداً للقائمة العراقية فقط، فذلك ينسحب على التحالف الكردستاني أيضاً، وهي مخاطرة إن أقبل عليها المالكي سيحصر نفسه في دائرة ضيقة، فالتحالف الكردستاني سيديم العلاقات القوية التي تربطه مع القائمة العراقية ومع الرموز التي فيها، لأنه يرى أن مصلحة الكُرد تتحقق فقط عبر إدامة معادلات التوازن مع الفرقاء في المجتمع العراقي كافة.
وإن خاطر المالكي باستبعاد الكُرد فسوف يواجه مع شركائه في التحالف الوطني، إن استمروا جميعاً في الاصطفاف معه، صعوبات كبيرة في إدارة الدولة، وربما يصبح شبه عاجز عن التعامل مع قضاياها بأسلوب بعيد عن استخدام القوة، مما ينهي بشكل جدي النظام السياسي الديمقراطي الذي نص عليه الدستور.
هناك حل آخر للخروج من الأزمة الحالية، وهو الذهاب لإجراء انتخابات مبكرة وفقا لقانون انتخابي جديد، يعالج العيوب الكثيرة في قانون الانتخابات الحالي، الذي أفرز فقط ثمانية عشر نائباً منتخبين حقيقة من مجموع ثلثمائة وخمسة وعشرين نائباً. ولكن من الصعب تصور أن التحالف الوطني سيوافق على ذلك، سيما وأن أمامه سنتين أخريين للتمتع بمزايا ومنافع الإمساك بمقاليد الحكم. وعلى أية حال، لعل أبرز ما ستتمخض عنه هذه الأزمة هو إنهاء عملية خلط الأوراق.