مع اقتراب تجمعات أيوا الانتخابية، يهدد التصدع الجمهوري مستقبل الحزب القديم الكبير، بعمق أكبر من أي وقت مضى منذ كسوف الحزب الجمهوري الذي شهده عام 1932، وهذا أمر سيئ بالنسبة لأميركا. ولا يتمثل التصدع في مجرد المواجهة بين ميت رومني السلس، ونيوت غينغريتش راشق القنابل. ولا في مجرد المواجهة بين رئيس الأغلبية في مجلس النواب جون بوينر، الذي يستمر في إبرام اتفاقات لا يستطيع الإبقاء عليها، وزعيم الأغلبية في مجلس النواب إريك كانتور، الذي يستمر في إثارة متاعب لا يستطيع السيطرة عليها.
ولا في مجرد المواجهة بين مؤسسة الحزب الجمهوري وأحزاب الشاي، بل يكمن الصراع الأساسي في أعماق طبيعة الحزب الجمهوري وهيكله، وجذوره قديمة جداً. وكما أشار المحلل السياسي مايكل ليند، فإن حزب الشاي الحالي لا يمثل حركة أيديولوجية، بقدر ما يمثل أحدث تجسيد لأقلية بيضاء غاضبة، تتألف في الغالب من محتجين جنوبيين، معظمهم من القرويين ومن الذكور، وهي الأقلية التي دأبت على مهاجمة الديمقراطية الأميركية من أجل المضي في مسيرتها.
ليس من قبيل المصادفة أن الولايات المسؤولة عن وضع معظم ممثلي حزب الشاي في مجلس النواب الأميركي، هي بأكملها ولايات كونفيدرالية سابقة. ويأتي باقي الممثلين من ولايات حدودية، تحتضن أعداداً كبيرة من الجنوبيين وتربطها علاقات مهمة بالجنوب.
ولا يختلف الجناح الأيمن من الحزب الجمهوري الحالي، الذي يعتمد سياسة "لا للحلول الوسط"، كثيرا عن المحافظين الاجتماعيين الإنجيليين، الذين بدأوا في تأكيد أنفسهم في الحزب خلال تسعينات القرن الماضي، أو عن الذين سبقوهم من محافظي "ويلي هورتون" الذين يعودون إلى ثمانينات القرن الماضي، أو عن "الأغلبية الصامتة" في عهد الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون.
ومع ذلك، فقد نجح الحزب الجمهوري، على امتداد معظم هذه السنوات، في احتواء هؤلاء المتطرفين المعتمدين سياسة "لا للحلول الوسط"، وكان معظم الجنوبيين لا يزالون ديمقراطيين. وظل الستار المحافظ للحزب الجمهوري في غرب أميركا ووسطها الغربي، وتحديداً في الموروثات المؤيدة لمبادئ الحرية التي تركها سيناتور أوهايو روبرت تافت وسيناتور أريزونا باري غولدووتر، اللذان لم يكن أي منهما مثيراً للاهتمام، في حين ظل مركز الحزب في نيويورك وشرق أميركا.
ولكن بعد صدور قانون الحقوق المدنية عام 1964، ومع بدء الجنوب في عملية تحوله الطويلة نحو الحزب الجمهوري، ومع اكتساب نيويورك والشرق نزعة ديمقراطية أقوى من أي وقت مضى، لم تكن المسألة إلا مسألة وقت.
وراح تحالف الحزب الجمهوري المهيمن والمؤلف من الشركات الكبرى، وول ستريت، والغرب الأوسط، وأنصار الحرية الغربيين، يفقد إحكام قبضته.
وكان الحدث الفاصل، هو سيطرة نيوت غينغريتش على مجلس النواب في عام 1995، إذ بدا الأمر فجأة وكأن الحزب الجمهوري خضع لعملية زرع للشخصية، حيث استعيض عن المحافظة النبيلة التي تبناها زعيم الأقلية في مجلس النواب بوب ميتشل، لتحل محلها سياسة رشق القنابل التي انتهجها كل من غينغريتش وديك آرمي وتوم ديلاي.
وتحولت واشنطن بين عشية وضحاها تقريباً، من مكان يسعى فيه المشرعون لإيجاد أرضية مشتركة، إلى منطقة حرب. وحل محل التسوية تصعيد الموقف، ومكان التفاوض العرقلة، وموضع المناورة التشريعية العادية التهديد بإغلاق الحكومة، وهو ما حدث في نهاية عام 1995.
وقبل ذلك، حين أدليت بشهادتي في الكونغرس كوزير للعمل، خضعت لاستجواب قاس من جانب أعضاء مجلس شيوخ وممثلين جمهوريين، وكانت تلك وظيفتهم. وبعد يناير من عام 1995، تعرضت لاعتداء لفظي، حيث أتذكر أن أحدهم سألني: "سيدي الوزير، هل أنت اشتراكي؟".
وجاءت أول علامة ملموسة على احتمال استيلاء متطرفي الـ"لا للحلول الوسط" على الحزب الجمهوري، في التصويت على عزل الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، حين صوت ثلثا أعضاء مجلس الشيوخ القادمين من الجنوب لصالح الإقالة (الغالبية في مجلس الشيوخ، لو تذكرون، صوتوا لصالح التبرئة).
لأميركا تاريخ طويل من المتطرفين الجنوبيين البيض، الذين لا يتوقفون عند أي شيء في سبيل تحقيق مطالبهم، حيث عمدوا إلى الانفصال عن الاتحاد في عام 1861، ورفض الانصياع لقوانين الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، وإغلاق الحكومة في عام 1995، والمخاطرة بكامل إيمان وائتمان الولايات المتحدة في عام 2010.
ويتماشى تأكيد نيوت غينغريتش الأخير على أن المسؤولين الحكوميين ليسوا ملزمين بالامتثال لقرارات المحاكم الفيدرالية، مع هذا التقليد المتعارف عليه.
ويشكل تطرف الـ"لا للحلول الوسط" هذا خطراً على الحزب الجمهوري، لأن معظم الأميركيين ينفرون منه. وقد أصبح غينغريتش نفسه محط سخرية في أواخر تسعينات القرن الماضي، ويتخوف العديد من الجمهوريين اليوم من أنه لو استلم دفة القيادة، فإن الحزب سيتكبد خسائر كبيرة.
كما يشكل خطراً على أميركا، فنحن بحاجة إلى حزبين سياسيين راسخين في واقع الحكم، ولا يمكن لديمقراطيتنا أن تعمل بأي طريقة أخرى.