إن القراءة فيما دونه حضرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حفظه الله، في مقاله المنشور بصحيفة الخليج بعددها الصادر بتاريخ 25/12/2011 تحت عنوان «حريق الذاكرة» ينم عن حرقة وأسى لامست حنين وفكر الكاتب، كيف لا وذاك هو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان الذي درس في مصر وشرب من نيلها ومنهلها، وغامر في جانب من أحيائها هرباً من مخابراتها في العهد الناصري، رغم أنه كان ناصرياً للنخاع في ذلك الوقت.
سلطان ذلك الفتى المبهور بالحضارة المصرية التي خطفت لبه ولبابه، وشدت إليها إعجابه، وكشف عنها أستارها فرفع الله له في فهمها حجابه، حتى تغنى به في مقاله وخطابه، نعم هو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، الذي لمست كما لمس الكثيرون من نبرة صوته على قناة دريم عبر برنامج «العاشرة مساءً» حسرته وآهاته، واستشعرتها كما استشعرها غيري وهي تخط مقالة حول المجمع العلمي في جمهورية مصر العربية (مصر المحروسة).
كيف لا وهو بحنينه قد تصدى لإعمار وإعادة ترميم ذلك المبنى العريق الذي عاثت به أيدي الفاسدين المخربين وعلى نفقته الشخصية، وتزويدها بجملة الكتب التي خسرتها من مكتبة سموه الخاصة، فأي إيثار وأي تضحية تلك التي تصدى لها هذا المثقف الهمام.
إن ما أبداه سموه يعد أنموذجاً للتضحية والإيثار يتمثل في صور ثلاث، وهذه الصور قد استخلصتها من مفهومي المتواضع للبعد الذي عناه الكاتب، الأول منها يتمثل في حرقة وغيرة رجل مسؤول يحمل هم غيره رأى مكاناً مرموقاً ذا قدر ورفعة يحترق أمام عينيه، فقام باذلاً الغالي والنفيس لتولي أمر ترميمه وبنائه، شأن هذا المكان شأن ما يملك وما يرعى من مسؤوليات، إن لم يكن أكثر منهم عرفاناً ورداً للمعروف للمكان الذي قضى به وقتاً جميلاً ونافعاً وانتسب إليه فخراً.
نعم، هذه الصورة الحقيقية التي يمكنني أن أشخص بها تصرف الكاتب المبدع الوفي في تصديه لإعادة ترميم مبنى المجمع العلمي.
أما الصورة الأخرى فهي مستغربة كل الاستغراب لمن أنشأ مكتبة خاصة به، وربما تمر مر الكرام لمن لا يعرف قدر الكتاب، لكن من يعرف قدر الكتاب، فيتعجب من تعهد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان، بتزويد المجمع العلمي بجملة الكتب التي احترقت من رصيد مكتبته الخاصة، وهو أمر في غاية الغرابة، ذلك أن الكتاب هو الابن البار لصاحبه يستشعره ويشعر به، ولا يمثل وجوده في ركن من أركان مكتبته صورة جمالية فحسب، بل هو يتنفس أنفاسها، ويستنشق هواءها، ويشتم رائحتها التي لا يمكن له نسيانها، فكيف لشخص يعرف معنى الكتاب قدره وقيمته أن يتبرع بهذا الكم الهائل من الكتب من مكتبته الخاصة، ويقتطع جزءاً من حياته - إن صح القول- أو ذاكرته مع هذا الكتاب أو ذاك ليهديه أو يتبرع به لغيره، وأعلم تمام العلم أن التصدي بشراء كتب بقدر ما حرق بضعفين أهون ألف مرة من التبرع بكتاب واحد قلبت صفحاته أنامل قارئ عاشق، لأن الكتاب له حنين وأشواق وذكريات، فالتبرع بالكتاب لا يعرف قدره إلا صاحبه الحقيقي، وتتمثل صورته كمن يتبرع بأحد أولاده المقربين إليه من غيره، ولكن هذا الغير في هذه الصورة هي الأم مصر الغالية.
أما الصورة الثالثة فهي تقليب الذاكرة في سيرة هذا المكان كأنه يتذكر ساعة ولادة ابنه ونشأته وتكوينه وآله ومآله، وليس له إلا أن يبذل الغالي والنفيس في إشفائه مما ألم به وهو يرى مصابه دون أن يترك أمره للقدر يقلبه كيف يشاء، فرغم إيمانه بالقدر خيره وشره، إلا أنه غلب إعمال الاتكال على التواكل، فعزم الأمر وضرب الصدر وشمر الساعدين قاصداً وجه الكريم في إحياء تراث غالٍ ونفيس على نفوس العلماء والمثقفين، وليس ذلك بغريب أو مستغرب من شخص مثل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان.
أكرم بك شيخاً أبا محمد، وحفظك وحفظ قلبك من الأسى والألم والحسرة التي ألمت به، وأرجعك إلينا سالماً غانماً معافاً من كل شر، وبلية وبلاء، وأذية أو إيذاء، وغنمت ودمت.