صرح الرئيس السوري بشار الأسد بأن أي عدوان على سوريا سيكون زلزالاً يطاول المنطقة بكاملها، وكتبت وسائل الإعلام السورية كلاماً مماثلاً، مع مزيد من التفصيلات حول إمكانية تفجر الأعمال العسكرية والعنفية مع إسرائيل، وبين هذه وحزب الله في لبنان، بل و مع تركيا وبين إيران وجهات أخرى، فضلاً عن حدوث أعمال عنفية وإرهابية في العراق وفي غيره. وفي الخلاصة فإن رأي السلطة السورية يؤكد أن أي تدخل عسكري في سوريا سيمتد إلى دول أخرى مجاورة لها، أي إلى خارج حدودها.
تتنافس قوى ثلاث رئيسية في منطقة الشرق الأوسط، هي تركيا وإيران وإسرائيل، ولكل منها بطبيعة الحال أهدافه وأساليبه، ويضع خارطة طريق لنفسه للوصول إلى هذه الأهداف.
تعثر دخول تركيا السوق الأوروبية المشتركة، وبعد توسع الاتحاد الأوروبي ليشمل بلدان أوروبا الشرقية دون تركيا شعرت هذه أن هدف دخولها هذا الاتحاد أصبح هدفاً بعيداً، وربما وجدت بدائل مؤقتة هي أن مجالها الحيوي هو في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة وسط آسيا.
وقد أشار وزير خارجية تركيا الحالي عندما كان مستشاراً للرئيس في كتابه (العمق الاستراتيجي) إلى أن هذا المجال الحيوي هو مصدر قوة كبيرة لتركيا اقتصادياً وسياسياً، يؤهلها لتلعب ليس فقط دوراً إقليمياً بل دوراً عالمياً، خاصة وأن الشروط الموضوعية القائمة في المنطقة هي لصالح قيام روابط جديدة بين تركيا وبين دولها، يسهلها وجود علاقات تاريخية مديدة وعميقة بين هذه الدول ثقافية ودينية، ولهذا كله توجهت تركيا نحو دول الشرق الأوسط، وبدأت الاهتمام في قضاياها، والسعي لتكون حليفاً لها تقويها وتقوى بها دون أن تدير ظهرها لأوروبا.
فبدأت بإقامة علاقات واسعة وشاملة مع سورية الجارة المباشرة لها والبوابة الحقيقية التي تربطها مع الدول العربية الأخرى، وقد أوصلت هذه العلاقة الجديدة والواسعة تركيا إلى تحقيق هدفين في آن واحد أولهما حل مشاكل الحدود والمياه والأراضي الحدودية المختلف عليها مع سوريا منذ النصف الأول من القرن الماضي، وخاصة منها ضم لواء اسكندرون إلى تركيا عام 1939، وثانيهما توسيع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع سوريا تمهيداً للانطلاق منها إلى البلدان العربية الأخرى.
منذ قيام الثورة الإيرانية عبرت إيران بصراحة عن أهدافها بتصدير الثورة إلى دول المنطقة وبدأت تنفيذ ذلك من خلال الاعتماد على الأقلية الشيعية فيها، وإثارة النزعات الطائفية. وقد أخرت الحرب العراقية الإيرانية استكمال إيران تحقيق سياساتها، لكنها بعد انتهاء الحرب ووقوع العراق تحت سيف العقوبات الدولية بعد عام 1990 (حرب الخليج وغزو الكويت) انطلقت من جديد لتسير في طريق تحقيق أهدافها، واستطاعت أن تسلح حزب الله في لبنان.
وأن تعقد صلات مع بعض الشرائح الطائفية في البلدان العربية، ثم بعد الغزو الأمريكي للعراق أصبحت هي المهيمنة عليه، ولم تعد فكرة الهلال الشيعي اتهاماً أو وهماً وإنما أصبحت واقعاً قائماً يهدف لمد النفوذ الإيراني من إيران إلى البحر المتوسط.
وفي هذا الإطار تحالفت إيران مع النظام السوري وأقامت علاقات متينة في مختلف الجوانب معه، وأصبح بين الطرفين إضافة إلى حزب الله، علاقات استراتيجية يصعب تفكيكها كما يصعب على كل طرف من الأطراف الثلاثة التخلي عنها.
أكدت إيران أكثر من مرة تحالفها الاستراتيجي مع سوريا، ودعمها المطلق للنظام السوري، ووسعت العلاقات الاقتصادية مع سوريا لتواجه العقوبات الاقتصادية الأوروبية والعربية، وتعاونت مع النظام السوري في مختلف المجالات، وحذرت من التدخل العسكري في شؤون سورية، ويلاحظ حتى الآن أنه رغم الموقف التركي المعادي للنظام السوري، والموقف الإيراني المتحالف معه استراتيجياً، لم يعلن عن أي خلاف بين البلدين أو بداية تناقض علني، وإن وجد هذا التناقض فمازال غير معلن، ويصر كل من الطرفين على عدم وجوده.
ويحاول كل منهما أيضاً أن لا يفجر خلافات مع الطرف الآخر كل لأسبابه. فتركيا تريد التعاون الدائم مع إيران فيما يتعلق بالقضية الكردية وتجاه الوضع في بلدان وسط آسيا، وإيران تريد التعاون مع تركيا لاستمرار موقفها تجاه التسلح النووي الإيراني وتجاه العقوبات الغربية على إيران.
أما إسرائيل فهي الصامت الأكبر حتى الآن، مع أنها من أكثر الدول التي يمكن أن تتأثر بتطور الوضع السوري سلباً أو إيجاباً، فهي من جهة لا تنكر ارتياحها من هدوء الجبهة السورية طوال ما يقارب الأربعين عاماً، ومن خوفها من أي نظام سوري جديد، وهي من جهة ثانية تخشى من اضطرار النظام السوري إلى إشعال حرب على حدودها الشمالية.
أو تحريض حزب الله لإشعال مثل هذه الحرب في حالة التدخل العسكري في شؤون سوريا، ويقال إن إسرائيل كانت تضغط على الولايات المتحدة في الأشهر الأولى من الثورة السورية كي يبقى الحال في سورية كما هو، ولذلك كان الموقف الأمريكي موارباً، إلا أنها تراجعت عن موقفها السابق على أن تضمن لها الولايات المتحدة عدم تغيير سياسة النظام المقبل في سورية تجاهها، وتدمير قواعد الصواريخ السورية وقواعد الطيران ومراكز الاتصالات في حال التدخل الأجنبي في شؤون سورية.
يبقى السؤال المطروح هو مدى تحقق (الزلزال) الذي تحدث عنه الرئيس السوري في حال التدخل العسكري الأجنبي، وهل فعلاً سيطاول هذا الزلزال إسرائيل والعراق وإيران ولبنان وتركيا أم لا؟.
يشير مراقبون إلى أنه ليس من اليسير إشعال أعمال عسكرية في المنطقة، ذلك لأن النظام السوري، إذا قام بذلك أو حرض عليه، قد يضطر لمواجهة عدوان إسرائيلي شامل ليس لديه القدرة على صده، ويبدو أنه من الصعب على إيران أن تساعده عسكرياً، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب الله، ولن تحرك تركيا ساكناً، وعليه فإن شكوكاً تحيط بمدى إمكانية وقوع الزلزال وتحقيق تصريحات الرئيس الأسد وتنبؤات الإعلام السوري وكتّابه.