في السابع والعشرين من يناير 2011 أعلن أوسامو فوجيمورا، أمين عام مجلس الوزراء الياباني، أن حكومة بلاده وافقت على تخفيف الحظر على إنتاج الأسلحة، والسماح لشركات يابانية بالتعاون مع دول أخرى في مجال تطوير الأسلحة، وإنتاجها، وبيعها، ومد البعثات ذات الطابع الإنساني بمعدات عسكرية ضرورية لحمايتها ومساعدتها في مهماتها.

كانت الغاية المضمرة لإصدار هذا القرار أن اليابان تريد خفض كلفة النفقات التي تدفعها سنوياً للولايات المتحدة الأميركية التي فرضت عليها عقوبات صارمة بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وجعلتها دولة منزوعة السلاح ومحرومة من التسلح طوال العقود الماضية. فاستمرت في وضعية المحمية العسكرية تحت المظلة الأميركية، وتدفع للأميركيين مبالغ طائلة نظراً لوجود أكثر من أربعين ألف جندي أميركي يرابطون على أراضي اليابان، وفي بعض موانئها البحرية، ويثيرون مشكلات اجتماعية وأخلاقية مع اليابانيين. لكن القرار تضمن ما يلي:

1- تعهد صانعو القرار الجديد بالحفاظ على المبادئ الثلاثة التي تؤكد على روح الدستور السلمي. فاليابان دولة مسالمة لا تستخدم السلاح للاعتداء على دولة أخرى، ولا تسمح ببيع أسلحة إلى إرهابيين يهددون الأمن والاستقرار في العالم، ولا يشاركون في أعمال عسكرية خارج مهمات تحددها الأمم المتحدة.

2- لا يحظى القرار الجديد بإجماع الحزب الديمقراطي الحاكم من جهة، ويثير اعتراضات عنيفة من جانب القوى الديمقراطية في اليابان من جهة أخرى.

3- يقتصر الإنتاج العسكري الياباني في المرحلة الراهنة على العربات العسكرية، والذخيرة العادية، والشاحنات والعربيات العسكرية من مختلف الأحجام الكبيرة التي تستخدمها الجيوش في حالة الدفاع عن النفس.

4- من المتوقع أن تنتج المصانع اليابانية معدات عسكرية تؤهلها لحماية نفسها لكي تستغني عن المظلة العسكرية الأميركية، وتوفر على الشعب اليابان مليارات الدولارات لتغطية نفقات الوجود العسكري الأميركي على أراضيها تمهيداً للاستغناء عنه بطريقة ودية.

لكن عودة اليابان إلى إنتاج الأسلحة، ضمن قيود محددة، ودخول شركاتها في إنتاجها وبيعها مسألة بالغة الحساسية بالنسبة إلى الدول المجاورة التي يفصلها عنها تاريخ مؤلم، وملايين القتلى والجرحى والمشوهين ونساء المتعة، خاصة في الصين وكوريا الجنوبية. وكانت تلك الدول قد رحبت بفرض دستور اليابان السلمي لعام 1946 كضمانة لمنع تجدد نزعتها العسكرية، كما رحبت بتوقيع اتفاقية سان فرانسيسكو للدفاع المشترك بين أميركا واليابان في العام 1951.

ونصت المادة التاسعة منه على حظر تسليح اليابان، أو اقتنائها لسلاح غير دفاعي، أو مشاركتها في أعمال عسكرية خارج أراضيها. فشعر اليابانيون بأن قيوداً ثقيلة فرضت على بلادهم على غرار الاتفاقيات المذلة التي أجبرت على توقيعها في أواسط القرن التاسع عشر. وجعل الدستور السلطة بيد الشعب، وألغى طابع الألوهية عن الإمبراطور وحوله إلى مجرد رمز لوحدة اليابان واليابانيين.

بعد أن تولى الحزب الليبرالي الديمقراطي دفة الحكم في اليابان منذ العام 1955 وما زال مستمرا حتى الآن باستثناء فترات قصيرة متقطعة، دعت القوى القومية اليابانية مراراً إلى تعديل الدستور لإنقاذ اليابان من اتفاقيات الحرب العالمية الثانية التي ما زالت تكبل حريتها.

وبصفته الممثل الأساسي للرأسمالية اليابانية بجميع فروعها المالية والتجارية والصناعية، حاول الحزب تعديل الدستور تحت ستار التخلص اليابان من التبعية السياسية للأميركيين.

فقد تحررت جميع دول العالم من القيود المجحفة التي فرضتها القوى المنتصرة، وبقيت اليابان وحدها توصف بأنها «عملاق اقتصادي وقزم سياسي وعسكري».

في الثالث من مايو 2007 تم الاحتفال بمرور ستين عاماً على إعلان الدستور في ظل إدارة الاحتلال الأميركي، واشتدت حملة القوى القومية لإطلاق دستور جديد يكون بالكامل من صنع اليابانيين أنفسهم. الأسئلة الأساسية في هذا المجال: ما الغاية من تعديل الدستور؟ ولمصلحة من؟ وما انعكاساته الداخلية والإقليمية في هذه المرحلة البالغة الخطورة من تاريخ اليابان والعالم؟

لقد شهدت الساحة السياسية في اليابان معركة شرسة بين الأحزاب والكتل السياسية الكبرى. فرأت أحزاب السلطة أن على اليابان التخلص من الشعور بالدونية على المستوى الكوني. وعليها أن تمتلك سلاحاً رادعاً للسلاح النووي الذي يتهددها باستمرار من جارتها كوريا الشمالية. ومن حقها أن يكون لها موقع متقدم في عصر العولمة، وأن تساعد على حفظ الأمن والاستقرار في الدول الأخرى تحت راية الأمم المتحدة. لذا لا بد من تعديل الدستور لكي يعبر بوضوح عن مرحلة جديدة في تاريخ اليابان بالتخلص نهائياً من الاتفاقيات المجحفة، بعد أن أصبحت قادرة على حماية مصالحها بقواها الذاتية دون حماية أميركية.

بالمقابل، رأت أحزاب المعارضة أن دستور اليابان الحالي يرمز إلى السلام والاستقرار والديمقراطية، وضمان الحريات العامة والخاصة. فتحولت اليابان إلى القوة الاقتصادية الثانية في العالم، والأولى في بعض حقول التكنولوجيا المتطورة وصناعة الروبوت أو الإنسان الآلي. وبالتالي، ليست اليابان بحاجة إلى الدخول مجدداً في حلبة التسلح ودفع أموال طائلة دون جدوى، وإخراج قوى يابانية كبيرة وشابة من دائرة الإنتاج. وهي تتهم الحكومة بالمراوغة لأنها لا تفصح فعلاً عن الأهداف التي تسعى لتحقيقها من طريق تعديل الدستور، وإلغاء المادة التاسعة منه. فهناك ضغوط متزايدة من شركات يابانية لإنتاج وبيع الأسلحة. وتعديل الدستور قد يحول اليابان إلى دولة عسكرية ونووية بسرعة قياسية، مما يجعلها مجدداً في حالة صدام مع دول الجوار الآسيوية، خاصة الصين وكوريا الجنوبية.

ختاما، كان لافتاً للنظر أن القرار الجديد الذي دعا إلى تخفيف حظر التسلح جاء من الحزب الديمقراطي الذي تسلم مقاليد السلطة منذ أقل من سنتين بثقة شعبية كبيرة، وكان من أشد المعارضين لتعديل الدستور السلمي. لكنه دخل مؤخراً في أزمات حادة يصعب الخروج منها يعد أن تراجعت شعبيته بشكل عامودي. لذا تتخوف القوى الديمقراطية من استنهاض الشعور القومي المتشدد لدى شرائح واسعة من اليابانيين. كما أن تعديل الدستور السلمي يعيد النقاش إلى نقطة الصفر حول الحل السلمي المقترح لأزمة السلاح النووي في كوريا الشمالية بعد أن تبلور مشروع حل عقلاني ترعاه اتفاقيات الدول الست الكبرى المعنية بحل المسألة النووية الكورية بالطرق الدبلوماسية وليس العسكرية.