في ربع الساعة الأخيرة من العام 2011، وجه الأوروبيون إلى إسرائيل رسالتين غير مسبوقتين في تقاليدهم معها. صدرت أولاهما على هيئة تقرير أعدته سفارات دول الاتحاد الأوروبي في تل أبيب؛ تعرض للسياسة الإسرائيلية المتبعة تجاه مواطنيها الفلسطينيين العرب الواقعين تحت سيطرتها منذ 1948، فيما تمثلت الثانية في بيان مشترك عن الدول الأوروبية الأربع الأعضاء في مجلس الأمن (فرنسا وبريطانيا وألمانيا والبرتغال)، بشأن سياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأرض المحتلة 1967.

عبر تقرير السفارات، طالب الأوروبيون بضرورة اعتبار معاملة إسرائيل لسكانها العرب قضية جوهرية في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. ولاحظوا أن توقف عملية التسوية يؤدي إلى تأثيرات سلبية على اندماج العرب في «المجتمع الإسرائيلي»، وطالبوا بألا يتخذ هذا الموقف ذريعة لحجب المساواة عن العرب. ولعل أقوى ما اشتمل عليه البيان بهذا الصدد، تقديم نصيحة إلى إسرائيل بأثر مستقبلي؛ مفادها أن ضمان المساواة للعرب عنصر أساسي لاستقرارها على المدى الطويل. ولأن الإسرائيليين من الذين يستمعون القول فيتبعون أسوأه، فقد فاتتهم الاستفادة من هذا التقرير وحكمته، وانشغلوا فقط بتبكيت الأوروبيين على «.. تدخلهم في شأن إسرائيلي داخلي..»، بحسبه أمراً لا سابقة له مع هؤلاء الشركاء.

وبسبب هذه المقاربة السطحية المفرطة، لم يلحظ الإسرائيليون أن التقرير ينم عن مطالعة أوروبية ذاتية دقيقة لعام كامل لأحوال عرب 48، بما يعني رغبة الأوروبيين في فحص القضية بمعزل عن مداخلات الجانب الإسرائيلي، المغموسة بالدعاية والإعلام المسيسين والموجهين. كما لم يلحظوا أن التقرير أعد بشكل سري، وهذا يشي بأن تسريب بعض محتوياته قد جرى عن عمد بهدف توجيه شارة إنذار إلى إسرائيل عن خطر يعتمل في أحشائها وقضية قابلة للتدويل.

على الصعيد ذاته، كان عرب 48 في طليعة من التقطوا هذه السابقة، فرحبوا بها، مطالبين على لسان بعض قواهم الحقوقية الفاعلة، مثل «مركز عدالة»، بأن يطور الأوروبيين خطوتهم إلى درجة محاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن سياستهم التمييزية العنصرية ضدهم، والمضي إلى الاعتراف بهوية المواطنين الفلسطينيين العرب ومعاملتهم كأقلية قومية.

والواقع أن ما نشر من التقرير ألمح إلى أن نقاشاً قد وقع بالفعل بين الأوروبيين حول اقتراح بتطبيق عقوبات ضد إسرائيل، تبدأ بتقديم احتجاجات رسمية إلى تل أبيب، بيد أن هذا الاقتراح شطب بضغوط من التشيك وهولندا وبولندا. ونحسب أن الدول العربية مدعوة إلى مساءلة أصحاب هذه المواقف المعاكسة لدعاوى حقوق الإنسان والشعوب، التي تشكل جدلاً قيماً أصيلة لدى الأوروبيين؛ يدعون إلى عولمتها وتعميدها في الأفق العربي بالجوار.

ما زاد الطين بحراً لدى المسؤولين الإسرائيليين وأدى إلى استشاطتهم، هو تزامن هذا التقرير السابقة مع بيان الرباعي الأوروبي في مجلس الأمن، الذي انتقد بشدة أنشطة الاستيطان الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، ووصفها بالسياسة المدمرة وشديدة الخطورة بالنسبة لعملية السلام، وطالب بوقفها فوراً وتقديم مقترفيها، وبخاصة من المستوطنين العنيفين إلى العدالة.

ولأن إسرائيل لم تألف مثل هذا النقد الأوروبي الجارح، فقد راوحت ردود أفعال مسؤوليها بين الغضب الأهوج من جانب وبين محاولة ضبط النفس والتعقل ومراعاة اللياقة الدبلوماسية من جانب آخر.

فمن ناحية، مارس وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان هوايته في دبلوماسية الإثارة والبلطجة، فهاجم الدول الأوروبية صاحبة البيان، ورماها بالتدخل في شؤون إسرائيل الداخلية، مطالبا إياها بالاهتمام بإحلال السلام في سوريا ومواجهة البرنامج النووي الإيراني وتعزيز الديمقراطية في العالم العربي. ورأى أنها بهذه المواقف إنما تفقد مصداقيتها وتهمش دورها!

لكن مسؤولين إسرائيليين آخرين اتخذوا منحاً مغايراً، ومنهم ايهود باراك وزير الدفاع، الذي طلب من ليبرمان أن يتعقل ويكون أكثر رزانة وهو يخاطب دولاً كفرنسا وبريطانيا وألمانيا» وكذلك فعلت تسيبي ليفني زعيمة المعارضة، التي سفهت أقوال وزير الخارجية باعتبارها تعمق الخلاف مع الأوروبيين.

في كل حال، ينطوي التفنيد الأوروبي للسياسة الإسرائيلية تجاه فلسطينيي 48 وفلسطينيي 67 على جديد فارق وربما كان صادما بالنسبة إلى الأوساط السياسية في تل أبيب. غير أن هذا الجديد يثير في الوقت ذاته تساؤلات عن دوافعه ومغزاه ودلالاته.. ولولا أنه تعرض لإدانة أميركية سريعة، لذهبنا إلى أنه موقف لا يعدو كونه مداخلة عابرة، يحاول بها الأوروبيون ممارسة سيرتهم التقليدية في شغل الفراغ السياسي في الأحايين التي تتعثر فيها جهود واشنطن أو تصاب بالتجلط، جراء اهتمامها بملفات أخرى كالانتخابات الرئاسية مثلًا.

لكن الأمر لا يبدو على هذا النحو.. وعليه، تثور الحيرة في تفسير واستكناه ما وراء هذه الرسائل..ترى هل سيشهد العام 2012 تحولاً ملموساً في السياسة الأوروبية الفلسطينية ؟ هل مل الأوروبيون من السياسة الإسرائيلية ومراوغاتها؟ وهل يخفون في دواليبهم عصياً يلوحون بإمكانية رفعها في وجه الشريك الإسرائيلي المخالف، إنقاذاً له من عصاب جعله لا يرى ما يرون من مستجدات تدور من حوله في عالم عربي يتحول؟