ذكرتني الفتوى التي نشرتها جريدة «الرياض» السعودية الأسبوع الماضي للفقيه عضو مجلس الشورى السعودي حاتم الشريف، حول جواز تهنئة المسيحيين بـ«الكريسماس» الذي يحتفل به معظمهم في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر كل عام، باعتباره مولد السيد المسيح، ذكرتني هذه الفتوى بمقال لصديقي الدكتور سليمان الهتلان قرأته في هذا المكان قبل عام تقريباً، كان عنوانه «الكريسماس في مدننا.. ما المشكلة؟»، فقد أشفقت عليه عندما قرأت عنوان المقال، وتأكد لدي هذا الإحساس عندما قرأت التعليقات التي وردت على موقع جريدة «البيان» والمواقع الأخرى التي أعادت نشر المقال.

وأخال الدكتور الهتلان كان يتوقع أن يختلف معه البعض حول موضوع المقال، لكنه لم يتوقع أن يتعرض لكل هذا الهجوم، خاصة وأنه بنى فكرته على رأي قال به الشيخ قيس المبارك، عضو هيئة كبار العلماء في السعودية، أجاز فيه قبول دعوة غير المسلمين لحضور أعيادهم، وأيده في ذلك الشيخ عبدالله بن بيّه، نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين.

بداية أقول إنني لا أوافق على المبالغة في الاحتفال بأعياد الأمم والشعوب الأخرى في بلادنا، ليس من باب التعصب الديني أو العرقي، وإنما من باب احترام هوية بلدنا المستمدة من ديننا وعاداتنا وتقاليدنا التي يجب المحافظة عليها من الذوبان في هويات الشعوب والأمم والديانات الأخرى، وهذا لا ينفي كوننا بلداً مفتوحاً على جميع الثقافات والأديان، بحكم عدد المقيمين من غير المواطنين والعرب والمسلمين في بلدنا، الذين ينحدرون من أعراق وأمم لها دياناتها وثقافاتها وعاداتها وتقاليدها التي نحترمها بالتأكيد، لكننا لا نريد لها أن تطغى على هوية بلدنا وتمسخها، وقد كتبت عن هذا مقالات كثيرة في هذا المكان وأماكن أخرى.

ما أثارني في التعليقات التي قرأتها على مقال الدكتور الهتلان وقتها، ليس اختلاف الرأي الذي هو ظاهرة حضارية لا يمكن أن نرفضها أو ننكرها، وإنما أسلوب الاختلاف نفسه وانحداره إلى درجة من السباب الشخصي الخارج عن أدب الحوار وأصول الاختلاف التي أعتقد أننا ما زلنا بعيدين عنها، رغم كل ما وصلنا إليه من مستويات تعليم عالية، ورغم الوسائل التكنولوجية الحديثة التي نستخدمها.

ورغم انفتاحنا الكبير على ثقافات الأمم والشعوب الأخرى، ورغم رياح التغيير التي هبت خلال العام المنصرم على عدد من بلدان الوطن العربي، يشكل مجموع سكانها أكثر من نصف الأمة العربية، وكان يفترض أن تحدث هذه الرياح تغييراً في العقول التي في الرؤوس قبل أن تحدث تغييراً في الأنظمة القائمة على الأرض، فتغيير الأنظمة قد يأتي بأنظمة أخرى ربما تصبح أكثر دكتاتورية وفساداً من الأنظمة المخلوعة أو المقبورة، لكن تغيير العقول هو الضمانة الحقيقية للتغيير الذي ننشده، والذي أعتقد أنه لم يتحقق حتى الآن.

في التعليقات التي جاءت على المقال، هناك من اتهم الكاتب بالإعجاب بالكريسماس ووصفه بالتبجح، وهناك من ألحق به صفة الزندقة، وإن كان بشكل غير مباشر، وهناك من دعاه إلى عدم تحريف التاريخ، وهناك من اتهمه بالمجاملة على حساب الإسلام والعقيدة وكاد يخرجه من الملة، وهناك من تهكم عليه وتساءل عن سبب تعّودنا التنازل والرضوخ والانحناء أمام ثقافات الغرب وعاداته، وهناك من دعاه إلى أن يتقي الله ولا يجعل عقله يلقيه في الهاوية، وكان ارأفهم به من سأل الله أن يريه الحق حقاً ويرزقه إتباعه، وهو دعاء كلنا نحتاجه على كل حال.

هذا الخلاف حول مشروعية تهنئة غير المسلمين بأعيادهم الدينية ظهر على السطح أيضاً بين أكبر فصيلين إسلاميين في أكبر دولة عربية؛ هما جماعة «الإخوان المسلمون» و«السلف» في مصر، فقد أصدر «الإخوان المسلمون» بياناً بمناسبة رأس السنة الميلادية وعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، تقدموا فيه بالتهنئة للأخوة المسيحيين، ودعوا فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة والشرطة إلى حماية الكنائس أثناء الاحتفالات، وقرروا تشكيل لجان شعبية منهم للمشاركة في هذه الحماية، في حين رفض حزب «النور» السلفي تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، وقال إن هذا ضد معتقداته، بينما قال رئيس حزب «الأصالة» السلفي اللواء عادل عبدالمقصود إن الحزب لن يبعث بأي تهانٍ للأقباط، ولن يشاركهم في أعياد الكريسماس أو أعياد الميلاد، لافتاً إلى أن هناك حاجزاً نفسياً بين المسلمين والأقباط.

قبل نهاية العام الذي ودعنا وصلتني رسالة بالبريد الالكتروني تتضمن فتوى قديمة للشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، رحمه الله، المفتي العام السابق للمملكة العربية السعودية، عن حكم التهنئة بالعام الجديد، وقد جاءت الفتوى ضمن البرنامج الإذاعي «نور على الدرب»، وكانت على شكل سؤال وجهه أحد مستمعي البرنامج قائلًا:

نحن في مطلع العام الهجري الجديد، ويتبادل بعض الناس التهنئة بالعام الهجري الجديد قائلين: (كل عام وأنتم بخير)، فما حكم الشرع في هذه التهنئة؟

وقد أجابه سماحة الشيخ، رحمه الله، قائلًا: التهنئة بالعام الجديد لا نعلم لها أصلاً عن السلف الصالح، ولا أعلم شيئاً من السنة أو من الكتاب العزيز يدل على شرعيتها، لكن من بدأك بذلك فلا بأس أن تقول: (وأنت كذلك) إذا قال لك (كل عام وأنت بخير) أو (في كل عام وأنت بخير) فلا مانع أن تقول له (وأنت كذلك.. نسأل الله لنا ولك كل خير) أو ما أشبه ذلك، أما البداءة فلا أعلم لها أصلاً.

هذه الفتوى قديمة، وهي صادرة عن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، رحمه الله، الذي يصنف في خانة السلفيين المعتدلين، وأعتقد أننا بحاجة في هذا الوقت إلى الاعتدال أكثر من أي وقت آخر، فثمة أمور لا تحتمل كل هذا الذي نحمِّلها إياه، لأن الإسلام أرحب من أن نحبسه في قمقم صغير، إلى الدرجة التي تجعلنا نختلف حول التهنئة بعام جديد، هي أقرب إلى المجاملات منها إلى العبادات، ناهيك عن أن نبحث في مسائل ليست من صلب العقيدة، وكل عام وأنتم متسامحون.