مرة أخرى أجدني مضطراً لفتح هذا الملف الحساس والشائك، والذي يشكل مع مياه النيل أهم ملفين بالنسبة للأمن القومي المصري، ملف الأقباط، وإن شئت الدقة قل المسيحيين المصريين، فالمسلمون والمسيحيون أقباط بعضهم بقي على مسيحيته، والآخر اعتنق الإسلام، وعاشا عبر أربعة عشر قرناً عيشاً واحداً لا مشتركاً.

الداعي للكتابة هذه المرة هواجس تكاد تصل إلى حقائق من أن يتحول هذا الملف إلى مخلب قط في الجسد المصري، الأمر الذي لا يرتضيه عموم المصريين لكن إيقاع الأحداث ينذر بما لا تحمد عقباه.

من بين إفرازات المرحلتين الأولى والثانية للانتخابات البرلمانية المصرية والتي بدا فيها أن تيار الإسلام السياسي يسجل تقدماً واضحاً، كان الحديث عن مخاوف الأقباط وأوضاعهم، لاسيما وأن تصريحات عدة صدرت عن مرشحين أثناء تلك الانتخابات، دعت أوصالهم للارتجاف، وباتت نسبة معتبرة لا تقل عن 25% من عددهم والعهدة على بعض المراكز المتخصصة في الهجرة، يفكرون في مغادرة البلاد والبحث عن وطن بديل.

تحدث على سبيل المثال أحد المرشحين عن التيار السلفي في محافظة أسيوط بجنوب مصر، بالقول «الجزية على الأقباط هي نصف دينار، وعليهم ألا ينسوا أننا حررناهم من أيدي الرومان».

فيما أضاف مرشح آخر عن جماعة الجهاد الإسلامية «انه في حال وصول الجماعة للحكم في مصر، فإنه يجب على النصارى أن يدفعوا الجزية، أو يخرجوا خارج البلد ويؤمن لهم خروجهم وأن المسلم سيطالب بدفع الزكاة وبالتالي عليهم دفع الجزية». وذهب ثالث في حديث لمجلة أسبوعية مصرية شهيرة إلى انه «من حق النصارى أن يمارسوا عبادتهم، لكن إذا أحدثوا مشكلات سوف ندمرهم».

يتساءل المرء بمزيج من الأسى والأسف عن مثل تلك التصريحات، والتي يعرف أعداء مصر خارجها كيف يجعلون منها مخلب قط، وخنجراً في خاصرة أرض الكنانة، رغم انه وللموضوعية تنكر الأغلبية الغالبة من مسلمي مصر هذه الآراء المتطرفة لكن وكما يقال بالانجليزية فإن الأخبار السيئة هي الأخبار.

ومن هنا كان للمرء أن يرصد هذا الخطر الداهم والمحاولات التي تبدو اليوم ترهات ومجرد أوهام، وفي الغد ربما يجدها المرء حقائق على الأرض كما جرى في جنوب السودان.

نقرأ في مذكرات موسى شاريت وزير الخارجية ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، كيف أن أقباط مصر عصيين على استخدامهم كأداة للتفكيك، بل يصفهم بوحدة بناءة في الحياة السياسية المصرية، وان أوضاعهم لن تساعد على تقسيم مصر، على أسس طائفية بخلاف أوضاع موارنة لبنان.

لكن بالأمس القريب ومن جراء الأحداث الطائفية الأخيرة التي يدعمها ولاشك طابور خامس يعمل على تفكيك وتخريب مصر، وان بأيادي وعقول مصرية مخترقة، نجد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو يقرع ـ من التقريع ـ المصريين بل وبقية العالم العربي بسبب ما يزعمه من اضطهاد ديني في المنطقة، مقارنة مع «إسرائيل منارة حرية العبادة» على حد وصفه.

ففي حديثه بمناسبة أعياد الميلاد تحدث نتانياهو إلى الإذاعة العامة الإسرائيلية قائلًا «إن الاضطهاد الديني الذي يعاني منه مسيحيو مصر ودول الشرق الأوسط يأتي بسبب ما تشهده المنطقة من عدم الوضوح واللا استقرار، وعدم التسامح حيال الديانات الأخرى»، هل يحاول نتانياهو أن يبعث الأمل في ذاك الذي فشل فيه أسلافه؟ تقسيم مصر طائفياً ودينياً كما حاولوا ونجحوا بدرجة أو بأخرى في لبنان؟

الكارثة في واقع الحال أكبر من مجرد تصريحات نتانياهو، فالأمر يكاد أن يقترب من «تدويل الفكرة» وليس «تدويل القضية»، لاسيما وان الكنيسة القبطية معروفة بمواقفها الوطنية، والرافضة للأيادي الخارجية واندساسها في هذا الملف الحياتي الأول.

لكن الآخر المغاير وصاحب الأجندات الخفية يعرف كيف يتلاعب بإشكالية من هذا النوع، فعلى سبيل المثال أطلقت مؤسسة «راند»، أو أطلق البعض باسم مؤسسة راند بالون اختبار تحدث عن حتمية البحث عن وطن بديل لأقباط مصر ومسيحي الشرق الأوسط واقترحوا إخلاء دولة لبنان لهم، أو أن تكون الدولة في سيناء أو واحة سيوة، وان على الإدارة الأميركية الاهتمام بهذا الملف.

ورغم التكذيب الذي صدر رسمياً عن راند في هذا الشأن إلا أن المرء يتفهم هذه الألاعيب الاستخباراتية، لاسيما من مؤسسة ملتزمة مع البنتاغون بعقود طويلة الأجل لتقديم أبحاث للقوات المسلحة الأميركية، لتحقيق المصلحة الأميركية العامة، وفق رؤية وفلسفة من يقدمون لها الرعاية والدعم، كما أن راند تحديداً وتخصيصاً كانت ومنذ ثلاثة عقود على رأس مؤسسات الفكر الأميركي، التي عرفت كيف تلعب على وتر تصاعد العنف والإرهاب الإسلامي على حد تعبيرها.

يضيق المسطح عن رصد ظواهر حقاً مخيفة، فمجلس اللوردات الانجليزي يناقش أخيراً أوضاع الأقباط وجلسات استماع بالكونغرس تناقش أوضاع مسيحي مصر، ولجنة التعاون والأمن في أوروبا والمعروفة بلجنة هلسنكي تصدر تقريراً عن الأقليات التي في خطر وتخصص التقرير لأقباط مصر. أما عن وسائل الإعلام الغربية فحدث ولا حرج من النيويورك تايمز إلى الغارديان مروراً بالفورين بوليسي العريقة التي توقعت أن تشهد نهاية العام المقبل هجرات جماعية للأقباط وبقية مسيحي الشرق .

كما حدث لليهود في الستينات. مصر في مواجهة كارثة لا أزمة، وعلى القائمين على الأمر تدبر الإشكالية قبل تفاقمها، والحضارة الإسلامية والعربية في اختبار حقيقي تجاه فصيل من مسيحي الشرق شارك في صنعها ولا يزال. إشكالية ما يجري في مصر ليست طائفية، بل تتعلق بغياب حقوق المواطنة بغض النظر عن الدين، وحرية الاعتقاد والعبادة المؤصلة دستورياً، وآلية محاسبة شفافة للمخطئ بعيداً عن الأعراف الساذجة، وصولاً لغياب استراتيجية شفافة لتقوية النسيج الديني ـ الاجتماعي، هل يفيق المصريون قبل القارعة؟