ما يحدث بالعراق من تداعيات خطيرة لم يكن غير متوقع، فالحكومة العراقية القائمة تحمل في ثناياها عناصر انهيارها لأنها غير منسجمة جرى تشكيلها بعد مخاض عسير على أسس توافقات مصلحية ترتبت على توازنات هشة سهلة الكسر، فالأجواء مشحونة بالنوايا غير الحسنة التي يضمرها الفرقاء المشاركون في العملية السياسية لبعضهم والتي تنتظر اللحظة المناسبة للانفجار، وكل طرف يدعي أن لديه من الملفات ما يكفي لفضح الطرف الآخر.

أربعة أحداث هامة تزامنت مع بعض وحظيت بتغطية إعلامية متفاوتة: خروج آخر جندي أميركي من العراق، وعودة رئيس الوزراء من الولايات المتحدة، وصدور مذكرتين قضائيتين بمنع نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من السفر واستدعائه للمثول أمام القضاء بتهم تتعلق بالإرهاب، ثم أخيراً إقالة نائب رئيس الوزراء صالح المطلك من منصبه.

جاءت هذه الأحداث في أجواء سياسية مشحونة تصاعدت فيها حدة الخلافات بين دولة القانون التي تقود الحكومة وخصمها ائتلاف العراقية الذي ينتمي إليه الهاشمي والمطلك على قاعدة تعليق نواب العراقية عضويتهم في مجلس النواب وتعليق حضور وزرائها اجتماعات مجلس الوزراء.

طور جديد من العملية السياسية انزلق إليه العراق في أجواء سياسية متجهمة زادتها إعلانات التصميم على التحول نحو الأقاليم في عدد من المحافظات، وأضافت إليها التفجيرات الإجرامية التي حصلت مؤخراً وحصدت المئات بين قتيل وجريح في يوم واحد في العاصمة بعداً آخر ينذر بالخطر.

نائب الرئيس موجود في إقليم كردستان وحكومة بغداد تطالب بتسليمه وهو يرفض المثول أمام القضاء في بغداد لأنه يشكك بحياديته. من جانبها تواجه حكومة إقليم كردستان موقفاً في منتهى الحرج وهي تتعامل مع هذه القضية الشائكة، لذلك حرص الرئيس العراقي جلال طالباني في بيان صدر عن مكتبه في الرابع والعشرين من ديسمبر الجاري على إبعاد إقليم كردستان عن القضية، بكلمات انتقيت بعناية بالغة، بالإعلان أن نائبه طارق الهاشمي الذي يواجه مذكرة توقيف «موجود في ضيافته»، وإن مثوله أمام القضاء «في أي مكان» مرتبط بالاطمئنان إلى «سير العدالة والتحقيق والمحاكمة»، ونترك للقارئ النبيه تفسير ما تحمله هذه الكلمات من معان.

لسنا بصدد الدخول بتفاصيل ما ورد من أخبار تناقلتها مختلف وسائل الإعلام تتعلق بهذه الأحداث فهي متواترة بروايات مختلفة، ولكن ما هو جدير بالاهتمام هو التساؤل عما إذا كان هناك علاقة بين الحدثين الأولين اللذين أشرنا إليهما بالحدثين الأخيرين؟. وهل أعطت الولايات المتحدة لرئيس الوزراء العراقي الضوء الأخضر لتصفية خصومه السياسيين؟، أم أنه وجد في الغياب الأميركي المباشر عن الساحة العراقية وفي ضوء سيطرة الأجهزة الأمنية التابعة مباشرة إليه فرصة قد لا تتكرر لإزاحة خصومه من الساحة السياسية؟

. وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى دور العامل الشخصي في ذلك، فهناك خصوم سياسيون كثيرون لرئيس الوزراء العراقي، بعضهم داخل التحالف الذي ينتمي إليه، إلا أن أشدهم نقداً له وتهجماً عليه بتلميحات مختلفة، على قاعدة استئثاره وحزبه بالحكم، هما طارق الهاشمي وصالح المطلك.

الجواب عن هكذا تساؤلات نجدها خلال التقصي عن السياسات المعتمدة من قبل الولايات المتحدة في العراق والتي يبدو أن رئيس الوزراء العراقي قرر تحديها أو قرأ بعض ملامحها بطريقة خاطئة. الولايات المتحدة ليس لديها ميل أو تحالف مع طرف عراقي ضد طرف آخر وسياستها في العراق مبنية على أن الاستقرار يتطلب مشاركة المكونات الرئيسية للمجتمع العراقي في الحكم حسب قاعدة المحاصصة.

إلى هنا لا يدعو هذا الاشتباك في المشهد السياسي العراقي للقلق الشديد، رغم غرابة ما يجري فيه، ولكن قراءته من زاوية أخرى لا تؤيد ذلك. فالموضوع قد خرج من أروقة الدوائر القضائية إلى وسائل الإعلام التي وجدت فيه مادة غير عادية في الإثارة بعد أن عرضت وزارة الداخلية، في مؤتمر صحافي عقد في التاسع عشر من ديسمبر الجاري، اعترافات ثلاثة أفراد من حماية الهاشمي بقيامهم بمهام تقع تحت طائلة المادة «4 إرهاب» بموافقته أو تشجيعه أو تخطيطه لقاء مبالغ دفعت إليهم، وبعد أن عمدت بعض الجهات إلى استغلال ذلك لتصبح قضية سياسية انقسم حولها العراقيون إلى جهتين وسط تظاهرات حشدت لها بعض الأحزاب تأييداً لما قام به رئيس الوزراء في بعض المحافظات.

وأخرى ضد ذلك في محافظات أخرى، حسب الجلباب الذي ترتديه كل محافظة. قراءة المشهد السياسي العراقي من غير التطرق إلى آليات عمل بعض القوى فيه يقود إلى الخطأ والبعد عن الواقع، إنه صراع على النفوذ يوظف فيه الانتماء المذهبي والعرقي الذي بنيت عليه العملية السياسية، الهاشمي والمطلك أبرز مسؤولين من الطائفة السنية.

واستهدافهما يمكن أن يقرأ في أطر العملية السياسية على أنه استهداف للدور السني، على الرغم من أن أياً منهما ليس بقدرته الإدعاء بأنه ممثل للسنة. والحقيقة أن قضية كبيرة كهذه لا يمكن لأطراف خارجية أن تبقى بعيدة عنها، فقد دخلت بعض الدول الإقليمية على الخط على الرغم من أن هذا التدخل لم يتح لوسائل الإعلام التعرف على الكثير من تفاصيله.

إلا أن دور الولايات المتحدة لا يمكن إخفاءه لأن ما اتخذته حكومة المالكي من قرارات في هذا الصدد بدأ يحرجها ويسبب لها الصداع. فإضافة إلى الدور المباشر الذي يلعبه سفيرها جيمس جيفري، وصل بغداد مدير وكالة المخابرات المركزية والقائد السابق لقواتها في العراق ديفيد بترايوس، ثم رئيس أركان جيوشها ريموند أوديرنو، وأخيراً نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن المكلف بالملف العراقي لتدارك انهيار العملية السياسية.

الفرقاء يجمعون على ترك القضاء يأخذ مجراه بعيداً عن التدخلات السياسية، إلا أن النتائج التي ستتمخض عن ذلك، مهما كانت طبيعتها، ستترك شرخاً كبيراً لا سبيل للتوافق عليه. فقد سبق للعملية السياسية في العراق أن مرت بالكثير من الأزمات خرج منها الفرقاء محتفظين بماء وجوههم، إلا أن من الصعب جداً أن نرى بأن ذلك سيتكرر في هذه القضية.

قضية «المالكي الهاشمي» قد تنقل التنافس حول الحظوة بالمزيد من النفوذ في منطقة الشرق الأوسط إلى طور أكثر تقدماً، وليس من المستبعد في ضوء ذلك أن يتحول الصراع في العراق إلى صراع أكثر سعة.