على عكس المواجهات التي حدثت بين بدون الكويت ورجال الشرطة في تحركاتهم الأخيرة، والتي أدت إلى اعتقال 32 منهم، كانت تظاهرة يوم الجمعة الفائت 23 ديسمبر سلمية، حمل فيها بعض أطفال البدون الورود وقدموها لرجال الشرطة (الصحف الكويتية 24) مع أحد عشر مطلباً كان من بينها المعاملة الإنسانية لهم وبإقرار حقوقهم المدنية. وقد سارع «الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية»، وهو جهاز حكومي تأسس في العام 1992 لهذا الغرض وأخذ عدة مسميات تحت قيادات مختلفة منذئذٍ، في الرد، مبدياً «استغرابه من استمرار الحديث عن الحقوق الإنسانية لأبناء هذه الفئة، والتغاضي عن الامتيازات الإنسانية المقدمة لهم، ومنحهم جميع الوثائق اللازمة».

وعدد في بيان له أنه «تم إصدار أكثر من 12 ألف شهادة ميلاد، وأكثر من 500 شهادة وفاة، وأكثر من 5200 عقد زواج خلال الأشهر السبعة الماضية، كما استفاد نحو 88 ألف فرد منهم من التموين، إضافة إلى استفادة نحو 13 ألف طالب وطالبة من الصندوق الخيري، وكذلك تكفل بيت الزكاة بتكاليف فحص البصمة الوراثية التي استفاد منها أكثر من 11 ألف أسرة».

هكذا يجري الجدل والحوار وأخيراً الحركة والتظاهر (وهو مظهر جديد من مظاهر مشكلة مزمنة اسمها البدون) في الكويت دون أن يلوح في الأفق حل لهذه القضية التي تمتد جذورها إلى أربعة عقود. لقد قلنا في مقالة سابقة إن الدولة استشعرت خطورة نمو المشكلة في ثمانينات القرن الماضي بعد أن بلغ عدد هؤلاء 221 ألفاً، وحاولت حلها بمطالبتهم بإثبات هوياتهم الأصلية، وغيرت معاملتها لهم بعد أن كانت تعاملهم معاملة المواطنين، حيث إن غالبيتهم الساحقة كانت تعمل في الأجهزة العسكرية والأمنية.

وقد عَقَّد الغزو العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس 1990 مشكلة البدون، ذلك أن هذا الغزو قد أفضى إلى عودة نحو مائة ألف من هؤلاء إلى مواطنهم الأصلية، أما من ظل في الكويت فقد واجه تعقيدات الغزو وهو طلب السلطات العراقية من منتسبي الجيش والشرطة الالتحاق بوظائفهم، الأمر الذي كان يعني أن الغالبية من البدون (وهم من العسكريين) الذين ظلوا داخل الكويت كانوا أمام وضع صعب، إما الالتحاق بما سمي بـ«الجيش الشعبي» أو مواجهة عقوبات قاسية أو الهرب. ولم يفلح الكثيرون منهم في الهرب واضطرت الغالبية التعامل مع القوات المحتلة.

وبعد تحرير الكويت، في السادس والعشرين من فبراير من العام 1991، كان ثمة 120 ألفاً من البدون، نصفهم ظلوا داخلها أثناء الاحتلال، والآخرون عادوا إليها لأنهم نزحوا إلى دول الخليج العربي وسوريا. وتشكلت في ما بعد «اللجنة التنفيذية لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير شرعية»، ثم في ما بعد «غير قانونية»، وذلك لتصنيف هؤلاء البدون واقتراح من تنطبق عليهم شروط الحصول على الجنسية الكويتية، ومطالبة الآخرين بإظهار هوياتهم الأصلية، أو أي هويات تشير إلى انتمائهم إلى دول معينة. وأظهر من هؤلاء نحو 50 ألفاً جنسياتهم الأصلية أو جنسيات حصلوا عليها من مختلف الدول.

ولم يعد إلى عمله من هؤلاء إلى السلك العسكري إلا القليل من الذين شاركوا مع القوات الكويتية والحليفة في الدخول إلى الكويت بعد تحريرها، أو من أبناء الكويتيات المتزوجات من بدون أو ممن لهم أقارب كويتيون، بعد أن مثلوا أمام لجان تحقيق. أما الآخرون فلا يزالون يعانون ضنك العيش والاعتماد على إحسان أهل الخير، من أفراد وجمعيات. وعدل مجلس الأمة إحدى مواد قانون الجنسية ليجيز منحها لمن أقام في الكويت منذ العام 1965 (وهي السنة التي جرى فيها إحصاء سكاني دقيق)، وحدد عدد من تستطيع الدولة تجنسيهم في السنة بألفي شخص ويصدر ذلك بقانون من مجلس الأمة.

وثمة خمسة وثلاثون ألفاً من هؤلاء مسجلين في ذلك الإحصاء لكن مشكلة البعض منهم، إضافة إلى مشكلة التجاذبات السياسية، هي أن الكثير من هؤلاء عليهم «قيود أمنية» بمعنى التعامل مع القوات الغازية أو مساعدتها أو الإدلاء بأسماء رجال المقاومة وغير ذلك. ومعلوم أن كل قوانين الجنسية تشترط في المتجنس «أن يكون حسن السير والسلوك» و«تسحب الجنسية» من أي شخص إذا رأت السلطات أنه يتعامل مع دول أو منظمات من شأنها الإضرار بأمن الدولة ومصالحها العليا.

وتم تجنيس ثلاث دفعات خلال هذين العقدين، وكان من المؤمل أن تسير الأمور ويتم تجنيس من تنطبق عليهم الشروط كلها، بما فيها سلامة ملفاتهم من الناحية الأمنية، إلا أن الجو السياسي، وتفنن أعضاء مجلس الأمة المعارضين لتجنيس هؤلاء ودغدغتهم لجمهور من الكويتيين يتخوف أساساً من فتح باب التجنيس والعودة إلى حقبة الستينات وما شاهدتها من تجنيس عشوائي، هي التي أعاقت حصول المستحق من هؤلاء على الجنسية.

ولا أحد يعلم كيف يمكن أن تحل هذه المشكلة حلاً قانونياً وإنسانياً في ظل «المزايدات السياسية» التي تعيشها الكويت.