في إسرائيل اليوم جدل كبير حول مسألة الفصل بين الرجال والنساء في المجال العام، وهو فصل يطالب به المتشددون اليهود على أسس دينية، فقد جرت أكثر من واقعة مؤخراً طُلب فيها من سيدات التخلي عن مقاعدهن الأمامية في الحافلات العامة والانتقال إلى مقاعد خلفية.

ففي الأسبوع الماضي، استقلت طالبة شابة مقعداً أمامياً في إحدى الحافلات العامة. فطالبها أحد الركاب الأرثوذكس المتشددين بالرجوع للمقاعد الخلفية، ولكنها رفضت، ولم تترك مقعدها، فإذا بها تتعرض للكثير من الإهانات اللفظية من جانب الراكب ومن ناصروه.

وعلى الرغم من أن تلك الواقعة ذات دلالة، إلا أن الواقعة الأهم منها هي تلك التي حدثت منذ أسابيع؛ وكانت بطلتها سيدة هي نفسها من اليهود الأرثوذكس تدعى يوكيفيد هارويتز. استقلت الحافلة التابعة للنقل العام، واختارت مقعداً في الصف الثاني. وفى المحطة التالية صعد رجل ما إن رآها حتى رفض إغلاق الباب من أجل أن تنطلق الحافلة في طريقها، إلا إذا تركت هارويتز مقعدها وانتقلت للمقاعد الخلفية.

 وحين أصرت هارويتز على رفضها، وأصر الرجل على موقفه، تذمر الركاب وطالبوا السائق بحل المشكل، فقام الأخير باستدعاء الشرطة. لكن رجل الشرطة حين حضر انتحى بالرجل الغاضب جانباً ثم عاد بعد قليل ليطلب من هارويتز أن تنتقل للمقاعد الخلفية، فرفضت من جديد. وقد انتهى الموقف بمغادرة الرجل الغاضب للحافلة.

ومغزى تلك الواقعة بالذات هو في هوية بطلتها. فهي هذه المرة سيدة أرثوذكسية ملتزمة حتى في مظهرها وملابسها، ولكنها اعتبرت أن إجبار المرأة على الجلوس في المقاعد الخلفية لمجرد أنها امرأة يمثل إهانة لها، وهى قالت إن ذلك السلوك مبنى على فهم خاطئ للنصوص المقدسة التي لا يوجد بها ما يفرض الفصل بين النساء والرجال.

وهى أضافت أن ما تخشاه حقاً هو وقع ذلك الفصل التعسفي على النشء الذي قد يستخلص من ذلك أن المرأة تستحق موقعاً مهيناً، بينما الكتاب المقدس يعلى من شأنها. والقضية برمتها ليست جديدة في إسرائيل.

فهي تعود إلى أكثر من عقدين على الأقل حين بدأ المتشددون من اليهود الأرثوذكس المطالبة بالفصل بين النساء والرجال في المواصلات، بل أنشأوا بعض وسائل المواصلات الخاصة لكي تتبنى ذلك الفصل، إلى أن انتقل الجدل اليوم إلى المواصلات العامة والمجال العام عموماً.

والحقيقة أن هاتين الواقعتين ليستا جديدتين على المجتمع الإسرائيلي. فقد حدثت وقائع مماثلة من قبل، لعل أهمها هو الموقف الذي تعرضت له الأديبة الإسرائيلية تانيا راجين منذ سنوات، حين رفضت ترك مقعدها والانتقال إلى مقعد خلفي تعرضت لوابل من الصراخ والإهانات التي كالها لها المتشددون من الرجال الأرثوذكس في الحافلة، حتى انها اضطرت للمغادرة وهى تبكى. لكن الأديبة لم تسكت. فهي رفعت الموضوع إلى القضاء الإسرائيلي الذي أصدر حكماً لم ينصفها في نهاية المطاف.

فقد صدر قرار المحكمة العليا ليمسك العصا من المنتصف، فأدى لتكرار تلك الحوادث فيما بعد. فالقرار على الرغم من وصفه للفصل بين النساء والرجال في المواصلات العامة بأنه «غير قانوني»، إلا أنه أضاف أنه من الممكن قبوله لو أنه حدث بالتراضي. بعبارة أخرى، فتحت المحكمة الباب واسعاً لمن يريد الضغط على النساء بدعوى محاولة الوصول للتراضي.

وتمثل دعاوى الفصل بين الرجال والنساء في إسرائيل مجرد واحدة من تجليات حالة عامة من التشدد بل والتطرف التي تعم الساحة الإسرائيلية، سواء كان تطرفاً سياسياً أو دينياً أو إيديولوجياً.

غير أن الموقف الأميركي مما يجري في إسرائيل مثير للانتباه، ويدعو للتأمل. فبينما يقيم الكونجرس الأميركي الدنيا ولا يقعدها بخصوص وصول الإسلاميين للسلطة في العالم العربي، حتى إنه هدد رسمياً بقطع المعونات عن مصر «إذا ما وصل المتطرفون الإسلاميون للحكم فيها»، إلا أن هذا الكونجرس نفسه لم ينطق بكلمة واحدة إزاء ما يجرى في إسرائيل، على الرغم من أن المتطرفين، بما في ذلك الأحزاب الدينية المتطرفة، وصلوا للسلطة، وممثلون في الكنيست، بل ويشاركون بشكل فعال في الحكم في إسرائيل! لكن إزاء هذا الوضع الإسرائيلي، فإنك لا تجد في الدوائر السياسية الأميركية إلا دعماً غير مشروط لإسرائيل، وتعهدات بالوقوف في صفها بشكل مطلق، بغض النظر عن طبيعة الحكم فيها أو مدى تطرفه.

وما يجرى الآن من تنافس على حب إسرائيل في حملة انتخابات الرئاسة في أميركا هو أحد تجليات تلك الحالة. والولايات المتحدة التي زعمت أن تحرير المرأة من براثن التطرف الديني كان أحد أسباب غزو أفغانستان، إلا أنها لا تحرك ساكناً، ولا يصل دعمها غير المشروط لإسرائيل إلى الوقوف في صف المرأة الإسرائيلية ضد التطرف الديني هي الأخرى.

بل أكثر من ذلك، فأنت نادراً ما تجد مقالاً في الصحف الأميركية يشير أصلاً لوقائع التطرف الديني في إسرائيل على غرار المقالات التي لا تعد ولا تحصى والتي تتولى التشهير بالعرب والمسلمين كلما حدثت واقعة في بلادنا. فعلى الرغم من أن مجتمعات الدنيا كلها، بما فيها المجتمع الأميركي نفسه، تنطوي على تنوع كبير.

وفى مجتمعاتنا العربية مثلها مثل كل المجتمعات يوجد المعتدلون والمتطرفون والمتشددون ومن يستخدمون العنف، إلا أنك تنظر إلى الخطاب الأميركي فتجده يستثنى من كل ذلك إسرائيل، فهي الحمل الوديع وواحة الديمقراطية في محيط من التخلف!.