أكملت باكورة الانتفاضات العربية في تونس عامها الأول بنجاح. وشهد العام 2011 إسقاط أربعة قادة تاريخيين في كل من تونس، ومصر، وليبيا، واليمن. وتؤكد حالة الغليان المستمرة في أكثر من بلد عربي أن التغيير بات في متناول الشعوب العربية، وأن مستقبلها لن يبقى أسير الجمود التاريخي الذي طبع مسيرة العرب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فتحت الانتفاضات الراهنة الباب واسعاً لتحرير الإرادة العربية، ولن يتوقف ضغط الشباب المنتفض الذي ملأ ساحات الحرية وميادين التحرير إلا بعد تحقيق مكاسب جدية للشعوب العربية. والنتائج الإيجابية التي تحققت خلال عام واحد كبيرة جداً، كما أن دولاً عربية أخرى بدأت تشهد تبدلات متسارعة على مختلف الصعد.
أما القوى التي تسلمت السلطة مرحلياً فلم تعد قادرة على ممارسة السلطة كما كانت في السابق، بالاستناد إلى قوانين الطوارئ، وممارسة القمع والإرهاب ضد الشعوب المنتفضة. وهذه الانتفاضات لا سابقة تاريخية لها في بلاد العرب. وليست مجرد حركات احتجاج مرحلية بعد أن أثرت عميقاً في بنية المجتمعات العربي. وستزيد في تفكيك بناها التقليدية المعيقة للتطور وبناء دولة القانون والمؤسسات، والعدالة الاجتماعية والمساواة، والرفاه الاجتماعي، والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة. وبدأت المؤسسات التقليدية المسيطرة، كالطائفية، والمذهبية، والعرقية، والقبلية ، وغيرها تستشعر الخطر الشديد على بقائها، وتدافع عن نفسها بشراسة.
إن إمكانية التغيير في العالم العربي باتت متاحة. وليس ما يؤكد توقف تلك الانتفاضات قبل أن ترسخ نتائج إيجابية كبيرة على الساحتين الثقافية والنضالية العربية. والحركات الشبابية اليوم هي القلب النابض للعالم العربي، ومحط أنظار العالم كله. وخصصت لها بعض كبرى الصحف والمجلات العالمية أعداداً خاصة للتعريف بها. وتراقب القوى الشبابية بدقة القرارات التي تتخذها السلطات الانتقالية لمنعها من إعادة تشكيل الدولة القمعية وفق صيغة جديدة.
نخلص إلى القول إن القوى المنتفضة التي أنتجت الربيع العربي قادرة على بناء دولة عصرية تقوم على العدالة الاجتماعية والتنمية، وتمنع عودة قوى الثورة المضادة التي تبدو عاجزة عن وقف مسيرة الانتفاضات على الرغم من الدعم غير المحدود الذي تلقاه من جهات إقليمية ودولية متعددة.
وأسست القوى الشبابية لحركة نضالية مفتوحة على جميع الاحتمالات، وهدفها توعية الشعب للدفاع عن مصالحه بنفسه. وتطالب بنشر العلوم العصرية، والتكنولوجيا المتطورة، واحترام الحريات الشخصية والعامة، وتبني النظام الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع وفق قواعد الاقتراع الشعبي المستندة إلى الشفافية والنزاهة، وتشكيل جبهة داخلية وطنية قادرة على حل مشكلات الفقر والجوع والبطالة والتصحر والأمية من جهة، ومواجهة تحديات العولمة من جهة أخرى.
على جانب آخر، ما يشهده العالم العربي اليوم من أحداث داخلية مهمة ليس معزولاً عما يجري على المستويين الإقليمي والدولي. ويدرك قادة الانتفاضات أن إسقاط بعض رموز القيادة السياسية السابقة في الدول المنتفضة لا يعني إسقاط ركائز النظام الذي ما زال قوياً.
وعلى الرغم من التفاؤل التاريخي بقدرة الشعب على التغيير، تحرص القوى المنتفضة على تعزيز الممارسة الديمقراطية السليمة، وتضع مصلحة الشعب العليا فوق جميع المصالح الشخصية والحزبية، وتؤسس لمرحلة جديدة عمادها المواطنة، ودولة القانون والمؤسسات. ولا بد من بناء نظام ديمقراطي جديد يعيد السلطة للشعب بصفته مصدر السلطات، ويضعه في موقع المراقب الفاعل والقادر على تصويب مسار الانتفاضات. بقي أن نشير إلى أن الانتفاضات العربية قدمت نموذجين من التغيير الذي يؤسس لدراسات تاريخية مستقبلية عن العالم العربي.
الأول: أن انتفاضتي تونس ومصر أنجزتا بعض أهدافهما بطريقة سلمية ومنعت التدخل الخارجي. وانتظمت القوى السياسية في كلا البلدين لضمان المصالح الآنية للقوى المتحالفة في إطار نظام توافقي جرى اعتماده على أساس احترام الإرادة الشعبية من جهة، وإعطاء حرية الحركة للقوى السياسية التي توزعت ضمن تكتلي الموالاة والمعارضة على غرار ما هو قائم في الأنظمة الديمقراطي، خاصة الغربية منها، من جهة أخرى.
الثاني: أن التغيير في ليبيا واليمن أنجز بعد نزاعات داخلية ذات طابع قبلي وسياسي. وقد استدرج تدخلاً خارجياً غير مضمون النتائج. فبقي الصراع متفجراً بين قوى السلطة وقوى المعارضة. كما أن نجاح التدخل العسكري الخارجي المباشر في إسقاط النظام الليبي أغرى الغرب بتأجيج صراع مشابه في سوريا يستدرج تدخلاً عسكرياً خارجياً، إقليمياً كان أم دولياً.
وتواجه القوى العربية المنتفضة صراعاً حاداً بين الدول الكبرى التي تهيمن على الاقتصاد العالمي. فالتحالف الأميركي الأوروبي يعمل على تغيير بعض الأنظمة العربية بالقوة، في حين يرفض التحالف الصيني الروسي التدخل العسكري الغربي من خلال استخدام الفيتو في مجلس الأمن. ورغم المظاهر الخادعة لنجاح تدخل قوات حلف الناتو في ليبيا فإن أسلوب تغيير الأنظمة العربية عبر التدخل الخارجي أثبت فشله في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان وغيرها. لذا تبدو الدول الكبرى التي تعتمد خيار التصالح الداخلي أكثر قدرة على مساندة الانتفاضات العربية لتصبح قادرة على تعزيز مواقعها في أكثر من دولة عربية.
في مطلع العام 2012 ، تعيش المنطقة العربية مرحلة مصيرية بسبب التوتر الشديد بين القوى السياسية، داخل الانتفاضات العربية وخارجها. فالقوى السلفية المحافظة التي وصلت إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية نسبياً، تريد إبقاء النظام السابق على حاله مع إجراء تعديلات طفيفة في قيادته وتوجهاته السياسية تحت ستار الحفاظ على الوحدة الوطنية، ومنع التدخل الخارجي.
في حين تطالب القوى الشبابية ذات التوجهات العلمانية والديمقراطية بتغيير جذري في بنية النظام، يعزز الوحدة الوطنية على أسس جديدة، ويمنع التدخلات الخارجية، ويؤسس لدولة ديمقراطية سليمة تحترم الحريات الفردية والعامة، وتنشر العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة، وتعيد للعرب موقعهم الفاعل في النظام العالمي الجديد.
ختاماً، تبلور قوى التغيير سياسات وطنية لمواجهة مخاطر الثورة المضادة. وتطالب بمواقف جذرية ضد الاحتلال الإسرائيلي لتجبره على وقف التوسع الاستيطاني. وتصر على فك التبعية مع الغرب الاستعماري الذي يحاول العودة إلى المنطقة العربية كمنقذ لشعوبها.
وتؤكد حالة الغليان التي استمرت طوال العام 2011 في أكثر من بلد عربي أن التغيير بات في متناول الشعوب العربية. فمستقبل العرب لن يبقى أسير الجمود التاريخي الذي طبع مسيرة العرب لعقود عدة. وبإمكانهم الاستفادة من ميزان القوى الدولي وفي مجلس الأمن الذي يشهد حالياً توازناً ملحوظا بسبب كثافة المصالح الاقتصادية للدول الكبرى في المنطقة العربية التي تحتل موقعاً متقدماً في الاقتصاد العالمي.