يعبر سلوك الشرطة غالباً دليلاً على طريقة تفكير قادته السياسيين في أي بلد. فالعنف الذي تبديه الشرطة سيبقى مؤشراً على نوع الحقيقة أو الحقائق محل السجال بين المتظاهرين وبين السلطات. فكلما زادت الحساسيات المحيطة بموضوع السجال، زاد عنف الشرطة، وكلما خفت هذه الحساسيات، خف عنف الشرطة.
هل نتذكر مشاهد تظاهرات في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين؟ لم تكن هناك أية تظاهرات لأن قضايا السجال لم تكن صراعاً من أجل مكاسب سياسية أو حقوقية أو معيشية، بل صراع سافر من أجل البقاء، أدواته ليست لدى المجتمع المدني، بل لدى التيارات العقائدية وتنظيماتها السرية. في ليبيا، خرجت تظاهرة واحدة مطلع الثورة، وسرعان ما تحول الأمر إلى ثورة مسلحة. فالحقائق موضع السجال ليست من النوع القابل للنقاش أو التسوية، بل الإلغاء التام، لأن التناقضات أصبحت تناحرية. يصدق هذا حتى في بلد مثل الولايات المتحدة، فالفارق كبير جداً بين تظاهرات الستينات والسبعينات من القرن الماضي وبين تظاهرات واحتجاجات العقود التالية حتى اليوم.
كان عقد الستينات من القرن الماضي عقداً ملتهباً في الولايات المتحدة، فقوائم المكارثية وتقاليدها كانت ما تزال نافذة منذ العام 1951 والحرب الباردة في أوجها. وعلى وقع الحرب في فيتنام، كانت التظاهرات حقيقة من حقائق الحياة اليومية في المدن الأميركية.
فمن تظاهرات المحتجين ضد الحرب إلى حركة الحريات المدنية التي قادها السود، كان عنف الشرطة الأميركية قد بلغ حدوده القصوى، مصحوباً بأعلى درجات التآمر عبر اغتيال قادة هذه التحركات.
هكذا اغتيل مالكوم إكس في 1965 وفي 1968 اغتيل مارتن لوثر كينج، فدخل العنف طوراً جديدا مع تنظيمات مثل «جيش التحرير السمبيوني» و«الفهود السود». قبل هؤلاء كان الرئيس جون كيندي قد اغتيل في دالاس عام 1961، فما الذي كان يدفع السلطات الأميركية لكل هذا العنف المفرط؟
بالتأكيد الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق وكل ما ارتبط بها من مصالح وقوى ومؤسسات. بعبارة أخرى، فان عنف الشرطة ودرجاته سواء من استخدام القوة لضبط النظام دون استخدام الأسلحة النارية وصولاً إلى العنف المفرط باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والمطاطي وتعقب المتظاهرين وتصفيتهم وقنصهم أو حتى الضرب الوحشي بالهراوات، يؤشر دوماً على أن ثمة ما يراد التعمية عليه بقوة، نوع من القضايا التي يعتبرها أركان النظام ورأسه نوعاً من المحرمات التي لا يمكن المساس بها أو طرحها حتى للنقاش.
على هذا، يتضح الفارق ما بين التعامل مع التظاهرات باعتبارها مساساً بالمحرمات وأقرب للأعمال العدائية كما هو الحال لدى العرب، وبين أن تكون تعبيراً عن رأي كما هو الحال في الغرب. الفارق واضح، ففي اليوم التالي لمشاهد سحل الفتاة المصرية في ميدان التحرير، كانت شبكات التلفزة تنقل مشاهد لرجال شرطة أميركيين مرتخين ويبتسمون فيما هم يؤدون عملهم في تطويق حشد من متظاهري «احتلوا وول ستريت»، من بينهم رهبان، دون أي مشاهد عنف.
سيعيدنا مشهد سحل الفتاة المصرية في ميدان التحرير حتماً إلى التاريخ. فقبل خمسة وعشرين عاماً بالضبط، تناول المخرج المصري الراحل عاطف الطيب ما عد وقتها جرأة غير اعتيادية عام 1986 عندما أنجز فيلم «البريء». يشخص الفيلم تلك الطرائق (تعبير مخفف لمفردة غسيل الدماغ) التي يتم فيها تحويل مجندي الشرطة إلى آلات صماء لتنفيذ الأوامر واغتيال البراءة الكامنة في نفس كل إنسان.
لقد أثار الفيلم غضب السلطات التي عمدت إلى حذف مشاهد كثيرة منه وتغيير نهايته، بتدخل وأوامر مباشرة من وزير الدفاع وقتذاك عبدالحليم أبوغزالة ووزير الداخلية أحمد رشدي ووزير الثقافة أحمد هيكل. لا تظهر الواقعة مدى الحساسية التي كانت تنظر بها السلطات وقتها إلى فيلم ينفذ إلى صميم جهاز الشرطة فحسب، بل تدفعنا إلى التساؤل الآن، والآن فقط عما تغير منذ 25 عاماً حتى اليوم.
ولكل من يملك إلماماً بالتاريخ المصري، سيدرك حتماً أن مشاهد سحل الفتاة في ميدان التحرير عام 2011 هي من نفس طينة حادثة «كوبري الجامعة» في ثلاثينات القرن الماضي عندما انتظرت الشرطة الطلاب المتظاهرين كي يصلوا إلى منتصف الجسر قبل أن تفتحه ليغرق الطلاب المتظاهرون في النيل، وأيضا مقتل الطالب عبدالحكم الجراحي عام 1935 وهو يحمل العلم المصري ويخر صريعاً برصاص الشرطة فيما العلم يلتف على جسده مثل الكفن.
هكذا، فعندما يتساءل المرء عن سر الضراوة التي أبداها الجيش والشرطة المصرية في تعاملهما مع المحتجين الشبان التي اختزلتها مشاهد بعيدة عن أي رجولة في سحل فتاة وتعريتها من قبل جمهرة من الجنود، إنما يتساءل عن القضية التي يراد التعمية عليها بهذا العنف غير السوي الخالي من أي رجولة. ما الذي يدفع الممسكين بالسلطة لكل هذا الإفراط في العنف؟
لا أظن بأنه النزق ونفاد الصبر من «شوية العيال» في ميدان التحرير، ولا يبدو التمسك بالسلطة تفسيراً مقنعاً، لأن قادة الجيش أذكى من أن يقعوا في هذا الفخ، ولا الخسائر التي تلحق بالاقتصاد المصري والحاجة لإعادة إطلاق عجلاته. يتحدث المصريون عن خروج آمن للجيش من السلطة، وحصانة من المساءلة، وأن يبقى الجيش مؤسسة تدير موازناتها وكل شؤونها بنفسها. هكذا، علينا أن نبحث في التفاصيل، فمن هناك قد نحصل على تفسير لهذه الضراوة في مواجهة المتظاهرين الشبان.
لست بصدد إسداء النصائح للمجلس العسكري، لكن رصيد الاحترام الذي يتمتع به الجيش المصري في نفسي ونفوس المصريين وغيرهم من العرب، يدفع للقول إن محرقة السلطة باتت تدفع هذا الرصيد للتآكل، فهذا ليس هو الجيش المصري الذي نعرفه، الجيش الذي أنجب أبطالاً مثل الشهيد العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعي قائد المجموعة «39 صاعقة».