مع اقتراب عام 2011 من نهايته، بدأت وكالات الأنباء العالمية، جرياً على عادتها، تبث صوراً لأهم أحداث العام الذي يوشك أن يودع العالم، تاركاً في صفحات الأيام أحداثاً، وفي ذاكرة الشعوب صوراً، سوف تبقى محطات رئيسة ونقاطاً فاصلة في حياة الكثير منها، خاصة في محيط الربيع العربي الذي سجل حضوراً لافتاً، جعله يتصدر الأحداث كلها، ويضع اسمه بامتياز عنواناً لهذا العام الذي ستظل أحداثه خالدة في سجل الشعوب العربية على وجه الخصوص، وفي ذاكرة شعوب العالم أجمع.

كان عام 2010 قد ودعنا بصورة بائع الخضار التونسي محمد البوعزيزي وهو يضرم النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بو زيد، احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية للعربة التي كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وتنديداً برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها في حق الشرطية فادية حمدي التي قال إنها صفعته أمام الملأ، وقالت له بالفرنسية (gageéD) التي تعني (ارحل) بالعربية، فأصبحت هذه الكلمة شعاراً للثورة التونسية، وما تلاها من ثورات الربيع العربي، وأطاحت هذه الثورة بزين العابدين بن علي، الذي حكم تونس بقبضة حديدية 23 سنة، ثم أرغمته على الرحيل بعد خطابات ثلاثة.

بدأها بالتهديد والوعيد، ثم حاول بعد ذلك التهدئة، وأنهاها بالدعوة إلى مزيد من الحريات التي وأدها طيلة فترة سنوات حكمه، والوعد بأن لا رئاسة مدى الحياة، بعد أن كان قد عزم عليها، وقد بدا ضعيفاً ومرتبكاً وهو يردد: (أنا فهمتكم.. أنا فهمتكم.. فهمت الجميع) قبل أن يهرب من البلاد خلسة يوم الرابع عشر من شهر يناير، لتكون صورة الطائرة التي هرب بها وعائلته، مغادراً تونس للمرة الأخيرة، هي الصورة الأولى الأجدر بالتسجيل، مع مطلع عام 2011 الذي لم يعد جديداً.

وكانت المحطة الثانية لعدسة كاميرا 2011 هي مصر، حيث بدأت أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير التي أطاحت بحسني مبارك، بعد فترة حكم هي الأطول بين ملوك ورؤساء مصر منذ عهد محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، الذي حكمها بين عامي 1805 و1848م. وقد تكرر مشهد الخطابات الثلاثة أيضاً في الحالة المصرية التي انتهت بتنحي مبارك عن الحكم بعد 18 يوماً من الاحتجاجات التي شدت أنظار العالم كله إلى ميدان التحرير، وجعلت منه بؤرة الاهتمام من أقصى الكرة الأرضية إلى أدناها، فاستحقت صورة الرئيس المخلوع وأبنائه وأركان حكمه وهم داخل قفص الاتهام يحاكَمون، أن تكون الصورة الثانية الجديرة بالتسجيل، في العام المرشح لأن يكون عام الألفية الثالثة الأبرز حتى الآن.

وما كاد العالم يفيق من مفاجأتي تونس ومصر حتى بدأت رياح التغيير تهب على اليمن وليبيا، وبدأ سباق محموم، لكنه مختلف هذه المرة، فالقابضون على مفاصل السلطة في هذين البلدين اختاروا لأنفسهم مساراً مختلفاً في التعامل مع المطالبين بالتغيير، وكانت المواجهة المسلحة هي الخيار الذي لجأ إليه نظام القذافي في ليبيا ونظام صالح في اليمن، وبدأت معركة طويلة لم يعتدها المستمتعون بمتابعة مسلسل الربيع العربي، حتى كاد الكثير منهم يصاب بالملل لرتابة الأحداث وبطئها، لولا أن انجلى المشهد في ليبيا، بعد كر وفر استغرق شهوراً ثمانية، وذهب ضحيته عشرات الآلاف من الشعب الليبي.

عن صورة ملك ملوك إفريقيا وعميد الحكام العرب وإمام المسلمين، وغيرها من الألقاب التي لا حصر لها، وهو يخرج ذليلاً مذهولاً من أنبوب صرف صحي، يساق والدماء تغطي وجهه، في مشهد لا يمكن تخيله، بعد العديد من خطابات التهديد والوعيد التي كان يلقيها بين فينة وأخرى، ليكسر بذلك نحس الخطابات الثلاثة التي أودت بالرئيسين اللذين سبقاه، فكانت صورته تلك من أكثر الصور استحقاقاً للدخول في سباق صورة العام الذي لم يحسم بعد.

أما الرئيس اليمني، فقد كان قاب قوسين أو أدنى من أن يلقى المصير نفسه أو مصيراً مشابهاً. وكان مشهد محاولة اغتياله في المسجد واحداً من المشاهد التي احتلت مكاناً بارزاً في ذاكرة أحداث العام الذي يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، وظن العالم أن الرئيس المحترق سيعتزل لعبة السياسة بعد أكثر من ثلاثة عقود من التربع على قمة السلطة، لكنه سرعان ما عاد إلى الواجهة مرة أخرى، وسرعان ما عادت خطاباته التي راوحت بين التصعيد والتهدئة، ليخرج من المشهد نصف خروج، ويبقى اليمن السعيد بشبابه المتدفق حماسة ورغبة في التغيير الإيجابي، قابلًا لكل الاحتمالات حتى الآن، وتبقى صورة الرئيس الذي لم يخرج من المشهد بصورة نهائية واحدة من الصور الضبابية المحيرة التي لم تتضح معالمها بعد.

ثمة صورة غامضة مازال المصورون حائرين في اختيار الزاوية التي سيلتقطونها منها، تلك هي صورة ما ستؤول إليه الأوضاع في سوريا، حيث يقول الممسكون بزمام السلطة حتى الآن، مثلما قال الذين سبقوهم من أصحاب الصور الأخرى، إن وضع بلدهم مختلف، فهل يكون الوضع مختلفاً حقاً لنشاهد صورة جديدة لا تشبه الصور التي توالت علينا واحدة بعد الأخرى، أم أن المسألة مسألة وقت ليس إلا، فنشاهد صورة مكررة، تختلف فيها الوجوه ولا تختلف النهايات؟

هذا ما نتركه لما تبقى من أيام هذا العام، وهي قليلة على أي حال.. ولكنْ من كان يتصور أن يشاهد، خلال عام واحد، كل هذه الصور التي تصلح كل واحدة منها لأن تصبح صورة عام بامتياز، بعد سلسلة من الصور الباهتة التي ملّ المشاهدون رؤيتها عبر عقود الجمود العربي الذي يبدو أن جليده لم يعد قادراً على الصمود أمام رياح التغيير ونسمات الربيع الساخنة هذه المرة؟