احتفالات الإمارات باليوم الوطني الأربعين لقيام الاتحاد لا تزال مستمرة في صور كثيرة ومظاهر متعددة بعضها في هيئة احتفالات ومهرجانات والبعض الآخر في هيئة ندوات تناقش قضايا تهم الوطن والمواطن وبعضها في صور مظاهر البهجة التي لا تزال تعم البيوت والنفوس حتى هذه اللحظة.

مظاهر الاحتفال في هذا العام مميزة لأننا نحتفل بذكرى مرور أربعة عقود كاملة على قيام الاتحاد، وهي ذكرى لم يكن حتى أكثر المراقبين الخارجيين دقة يتوقع أن نحتفل اليوم بها، ولكننا وصلنا إليها لأننا عقدنا العزم على أن نقف متكاتفين ومتلاحمين وراء قيادتنا، ومن أجل منظومة القيم التي أمنا بها وأن نبرهن للعالم أجمع بأننا أمة واحدة متلاحمة وطنيا واجتماعيا. احتفالاتنا هذا العام مغايرة وقد تعلمنا منها دروساً وعبراً كثيرة. علمتنا مظاهر هذا العام بأننا قادرون على الرد على كل المشككين في قوة اتحادنا بتلاحمنا الوطني ووقوفنا صفا واحدا خلف قيادتنا.

ففي وسط تلك الضبابية التي تلف العالم من حولنا، خاصة في أعقاب الربيع العربي، نقف نحن هنا في الإمارات أقوى مما كنا قبل أربعة عقود وأكثر تأثيراً على جوارنا، وأكثر عزماً على حماية منجزنا، وأكثر ثقة وولاء لقيادتنا فهي أجدر من يقود مركبنا إلى بر الأمان. تعلمنا بأن قيادتنا الأبوية والتي أعطت لشعب الإمارات الكثير، لا يزال عطاؤها مستمراً ويفيض حباً وحنواً على كل فرد من أفراد مجتمعنا، وقد ظهر هذا الحب واضحاً في صورة قرارات بعضها انتظره الناس منذ زمن، كقرار حق المواطنة في منح جنسيتها لأبنائها والبعض الآخر في صورة قرارات مفرحة كزيادة الرواتب بالإضافة إلى المراسيم الأخرى.

هذه المراسيم والقرارات علمتنا بأن تلك العلاقة الخالدة بين الحاكم والمحكوم في مجتمعنا قد سمت على كل العلائق وارتقت لتكون علاقة خاصة يحتضنها ويقدرها الطرفان. علمتنا احتفالات هذا العام، والتي سادت في كافة أرجاء الإمارات، بأن هناك نوعاً من الاندماج والانصهار بين جميع طبقات المجتمع واجتماعهم على غاية واحدة ألا وهي حب الإمارات والتي ظهر واضحا في الاحتفالات، فمظاهر البهجة التي عمت كل أرجاء الدولة ساهمت إلى حد كبير في إظهار وحدتنا وتكاتفنا مع قيادتنا.

فالجميع على مختلف مستوياتهم الاجتماعية وطبقاتهم وأعمارهم كانوا تحت مظلة واحدة هي علم الإمارات الذي رفرف على كل بيت، ومتحدين على هدف واحد وهو إظهار ولائهم وانتمائهم للدولة. تعلمنا كيف نستقي حب الوطن من شيبتنا تماماً كما تعلمنا كيف يمكن لشبابنا وبتكاتفهم أن يحبوا وطنهم كلّ على طريقته، البعض قام بمبادرات تدل على وعي مجتمعي كبير.

والبعض عبر عنه بطريقة عفوية بسيطة كتنظيف الشوارع بعد الاحتفالات وتنظيم صفوفهم وحشد طاقاتهم لهذا العمل حتى يتم على أكمل وجه. لقد وظفوا وسائل التواصل الاجتماعي الحديث المغرمين به لأغراض ايجابية ولغاية وطنية سامية. لقد أثبتوا أن الشباب طاقة لديها الفكر والتدبير الايجابي والتنظيم الجيد، وأنها محل ثقة الشعب والقيادة.

علمتنا الفترة الماضية بأن الإمارات بلد التسامح والتعايش السلمي وأنها أرض للجميع، يعيش عليها الملايين وينعم بخيرها ملايين أخرى ربما تعيش بعيدة عنها، أرض معطاءة لا تبخل على من يعيش فيها ولا ترفض تحقيق حلم من أحلام من يقيم في حضنها، أرض الإمارات المعطاء أعطت ولا تزال تعطي الخير والأمل والتفاؤل، تسعى إلى نشر ثقافة السلام والتعايش السلمي ليس فقط في مجتمعها، بل في أرجاء المعمورة كافة وتمد يدها إلى كل من يزرع ويحصد الخير لصالح البشرية جمعاء.

وكما علمتنا الفترة الماضية الكثير من القيم الايجابية، رأينا أيضا بعض القيم والمظاهر السلبية التي رمت بظلالها الثقيلة على فرحتنا وانتقصت من سعادتنا بعيدنا الوطني، لأنها تصرفات أو مظاهر غير حضارية ونتمنى ألا نراها مستقبلاً. رأينا البعض وقد اقترض لكي يزين سيارته أو منزله أو ملبسه تزييناً مبالغاً فيه، وقد نسي أنه لو رفع العلم فقط على واجهة منزله أو سيارته لكان ذلك كافيا، ورأينا كيف بالغ البعض في الخروج على القوانين العامة بما فيها قانون السير لكي يعبر عن وطنيته في أيام الاحتفالات.

ورأينا كيف بالغ البعض في إظهار مظاهر الفرح في صور عديدة، بعضها مقلق للراحة العامة، وبعضها مسيء لصورتنا الحضارية لدى الآخر، ورأينا كيف أساء البعض استخدام وسائل التواصل في الترويج لبعض الإشاعات التي من شأنها أن تشيع جواً من القلق بين جمهور المحتفلين، كل هذه تصرفات ومظاهر من شأنها أن تنقص من فرحتنا وتشوبها حتى وإن كانت من دون قصد.

المناسبات الوطنية هي دوماً مناسبة لإظهار ليس فقط تكاتفنا ووحدتنا وفرحتنا بمنجزنا، بل هي مناسبة لإظهار قيمنا الاجتماعية الرائعة المستقاة من ديننا الإسلامي الوسطى وتراثنا الأصيل. وبالطبع ليس هناك مناسبة وطنية أغلى من مناسبة اليوم الوطني لإظهار كل مخزوننا التراثي والقيمي وكل حبنا وفرحتنا بإنجازاتنا. إن إظهار حب الوطن شيء مهم لنا ولأجيالنا الجديدة التي تتعلم من هذه الاحتفالات قيمة رائعة ألا وهي أنه لا شيء أكثر سمواً من الوطن ولا شيء يعوضنا عن وطننا سوى الوطن نفسه.

 ولكن علينا أيضاً أن نقدم لهم نماذج تعامل جميلة وراقية ليتعلموا منها كيفية التعبير عن مكنونات صدرهم في المستقبل من دون الإساءة لأحد ودون تبذير أو إسراف، علينا أن نعودهم بأن حرياتهم تنتهي حين تبدأ حريات الآخرين، علينا أن نعلمهم بأن التعامل مع الآخر يجب أن يشوبه الاحترام وعدم الانتقاص، علينا أن نعلمهم بأن الوسطية في الأمور هي أفضل الأشياء وأهم الأمور التي يجب أن يحرصوا عليها، علينا أن نعلمهم بأن حب الوطن شيء مقدس ويجب أن نظهره بشكله اللائق به وليس بشكل يسيء لهم ولغيرهم. هكذا نريد احتفالاتنا القادمة بمناسباتنا الوطنية أن تكون.