تقول البيانات الأميركية الرسمية إن عدد القتلى الأميركيين الذين قضوا بسبب غزو إدارتهم للعراق تجاوز (4500) قتيل، واثنين وثلاثين ألف جريح، وبلغت تكاليف الغزو التي تكبدتها الخزانة الأميركية، أكثر من ألف مليار دولار، هذا من الجانب الأميركي، أما من الجانب العراقي، فإن التقديرات تشير إلى مئات الألوف من القتلى والشهداء والجرحى، إضافة إلى تدمير البنية التحتية العراقية، والمؤسسات الإنتاجية وعلى رأسها مؤسسات إنتاج النفط وهو الدخل الرئيس للعراق الذي تعتمد عليه الدولة في تسيير شؤون أعمالها، والمجتمع في تحقيق التنمية.
وحل الجيش والشرطة وإدارة الدولة العراقية، وإلغاء كل ما راكمه العراقيون من منجزات مادية وحضارية خلال تاريخهم، ونهب الآثار وهي من أغنى آثار العالم، وخاصة تلك التي تعود لبداية التطور الإنساني الواعي في الألف الخامسة قبل الميلاد، ونهب المكتبات، وبيع معدات الجيش العراقي وأسلحته على شكل (خردة) وكتل حديدية.
أو تعريضها للنهب والسلب، أو تسريبها وتهريبها للسلطة الكردية في شمال العراق، وتراجع إنتاج النفط العراقي إلى (10%) عما كان عليه قبل الغزو، وها هو حتى الآن، وبعد ثماني سنوات من الغزو لم يصل إلى مستواه الذي كان عليه، وباختصار أعاد الغزو الأميركي العراق قاعاً صفصفاً بعد أن كان من أكثر بلدان العالم الثالث تطوراً وتقدماً مادياً ومعنوياً.
على النطاق السياسي، صرحت وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة كونداليزا رايس عند الغزو، بأنه سيكون وسيلة مهمة وحيوية لنشر الديمقراطية في المنطقة من جهة، وسيساهم بفعالية في بناء الشرق الأوسط الجديد من جهة أخرى، وأوحت السياسة ووسائل الإعلام والصحافة الأميركية أن تداعي الأنظمة المحيطة بالعراق سوف يتوالى.
وكانوا يعنون أن النظام السوري على وشك السقوط، وسيتبعه حزب الله في لبنان، وربما النظام الإيراني، وفي الخلاصة فإن المنطقة نضجت بمنظور السياسة الأميركية وستقطف ثمارها، أو هي على وشك النضوج، وستتداعى أنظمتها تباعاً نظاماً بعد آخر، كما هو الحال في أحجار (الدومينو).
فيما يتعلق بالديموقراطية التي أقيمت في العراق والتي كان من المفروض أن تكون مثالاً وحافزاً لتقوم ديموقراطيات مثلها في الدول المجاورة، فإن الذي نحقق هو إقامة أسوأ أنواع الديموقراطية. بل أقيم في العراق نظام لاعلاقة له بالديمقراطية، أعني نظام المحاصصة الطائفية، الذي لم يطبق معياراً واحداً من معايير الدولة الحديثة.
وقد تحول العراق معه إلى دولة طوائف متناحرة متشاركة على كعكة السلطة والثروة، ضاعت بها ومعها مفاهيم المواطنة والحرية والديمقراطية، ولم يعد للعراق كوطن ودولة الأولوية عند معظم مواطنيه، بل صار ثانياً بعد الطائفة والإثنية.
لم يكن بريمر (الحاكم الأميركي للعراق)، ولا إدارته الحمقاء، يعرف برنامج اليوم التالي الذي سيطبقه، فارتكب (وارتكبت سياسة إدارته) أخطاء فادحة، بحق العراق وحق السياسة الشرق أوسطية نفسها، وسُلمت العراق إلى إيران بأسهل السبل، وهو ما عجزت إيران عن تحقيقه بالحرب والدبلوماسية أو استخدام الطائفية.
كما عززت موقف السياسة الإيرانية في أفغانستان، وفي بلاد الشام، عكس ما كانت تريده الإدارة الأميركية، التي أفشلت بسبب حماقتها استراتيجية الشرق الأوسط الكبير الذي غيرت اسمه إلى الجديد، ولم يعد ممكناً أن يكون هذا الشرق الأوسط بقبضتها وتحت تصرفها بل صار النفوذ الإيراني شريكاً لها فيه، وذهب الهدف الأساسي من أهداف الغزو أدراج الرياح.
تحققت في العراق ظاهرتان بسبب الغزو الأميركي، أولاهما دخول الجماعات المتطرفة (والإرهابية) والسلفية إليه بعد أن كان النظام السابق سداً منيعاً ينتصب في وجهها، وتسربت هذه الجماعات وأفكارها وممارساتها إلى العراق وإلى بعض بلدان الخليج، وقد استوطنت في العراق، وزادها وجودها فيه (مشروعية) وزادتها فعالية، الأخطاء التي ارتكبها الغزاة.
وتلك التي مارسها الحكام الجدد ونهمهم للمال والسلطة، وثاني الظواهر هي استشراء الفساد في العراق، بما لم يشهده من قبل، وتفشي السرقة والرشوة، بما في ذلك سرقة النفط بأنابيب خاصة، إضافة إلى سرقة مردود بيع النفط العراقي، والتواطؤ مع الشركات المكلفة بالاستخراج وتلك المكلفة بالتصدير، ولعله مدعاة للسخرية مثلاً أن إنتاج الكهرباء في العراق مازال لا يكفي نصف الحاجة بعد كل هذه السنوات.
وكذلك مياه الشرب، ومازالت البنية التحتية مدمرة، بدءاً من الطرقات وصولاً إلى المستشفيات مروراً بالمدارسٍ والمنشآت العامة، وتعطيل مؤسسات الدولة التي تهتم بالضمان الصحي أو الاجتماعي (رغم معاناة الملايين من ذوي شهداء الحرب مع إيران وشهداء الغزو الأميركي)، وبشكل عام، أوصلت الديمقراطية الأميركية التي حملها الغزو العسكري للعراق الدمار والفساد والتخلف وتشويه النظام السياسي.
وإشعال التناحر الطائفي، والنيل من سيادة العراق بسبب الغزو أولاً وبسبب فتح الباب للنفوذ الإيراني ثانياً، ومهما جهد الباحث لا يجد إيجابية واحدة أميركية أو عراقية جراء هذا الغزو، مهما بحث وتعمق في البحث، باستثناء إيجابية أميركية واحدة قد تكون بدورها تشكل سلبية في المستقبل.
وهي بناء سفارة أميركية في العراق هي الأكبر في العالم، يعمل فيها خمسة عشر ألف موظفاً، فهل هذا (المكسب) إن كان مكسباً يستحق تعريض (4500) جندي أميركي للقتل، و(32) ألف جندي للإصابة، وإرهاق الخزينة بألف مليار دولار؟.
لا أظن أن ذاك يستحق هذا، ورغم ذلك يقول الرئيس أوباما أن التاريخ هو الذي سيحكم على غزو العراق، فهل الأمر يحتاج لدراسات معمقة ولانتظار حكم التاريخ، حتى يتم الإعلان أن الغزو كان حماقة مكلفة للأميركيين والعراقين؟
يبدو أن الرئيس يدلس في موقفه من الغزو، رغم أن الجمهوريين هم الذين قرروه، ويحاول أن لا يخسر من كانوا أنصاراً للحرب، أو أنه يحفظ خط الرجعة فيما إذا قرر غزواً أميركياً لبلد جديد.