القوات الأميركية، المحتلة في رأي البعض والمُحرٍرة في رأي آخرين، تغادر العراق لتطوي، ظاهرياً، الصفحة الأخيرة من سفر دام كتب على مدى ما يقرب من تسع سنوات، بأياد أميركية وأياد عراقية وبأياد أخرى، لتحقيق أهداف متعددة ومتنافرة بنوايا متباينة، بعضها مخلص وآخر شرير وثالث ساذج.

لن تتمكن الكلمات التي صيغت بعناية من قبل وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا في الاحتفال البروتوكولي الذي أنزل فيه العلم الأميركي في آخر قاعدة أميركية في العراق في الخامس عشر من الشهر الجاري، ولا الكلمات القوية التي وردت في خطاب الترحيب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما بعودة جنوده في قاعدة فورت براغ العسكرية في ولاية كارولينا الجنوبية قبل يوم من ذلك، لن تتمكن من شفاء الجروح في النفوس على الرغم من شفاء الجروح في بعض الأجساد، ولن تتمكن من إسداء الستار على مشهد المآسي التي خلفتها هذه الحرب.

تسع سنوات عجاف اختلط فيها الحابل بالنابل، وأهدرت فيها الثروات، وسفكت فيها الدماء، وجفت فيها المآقي، وتراجعت فيها منظومات القيم، وتشظى فيها المجتمع العراقي، وأضاع فيها الطرفان؛ العراقي والأميركي، أرواحاً كثيرة وثروات كبيرة. ومع أن المشهد يبدو للراصد، للوهلة الأولى، مشهداً يجمع طرفي الحرب فحسب، العراق والولايات المتحدة، إلا أنه في الحقيقة يتجاوز ذلك بكثير، فتداعيات هذه الحرب قد ألقت بظلالها وتأثيراتها بمستويات مختلفة، على دول المنطقة، وبالأخص المجاورة للعراق.

شنت الولايات المتحدة هذه الحرب في أوج عنفوانها بعد أن خرجت من حقبة الحرب الباردة قوة وحيدة لا تجارى في حجم النفوذ الذي بقدرتها فرضه على العالم، مما لم يتح عبر التأريخ لدولة أخرى أن تحظى به. وأصبحت تستمد هذا العنفوان من قناعاتها، إثر انهيار المنظومة الاشتراكية، بانتصار عقيدتها السياسية «الديمقراطية الليبرالية» التي أصبحت جوهر رسالتها إلى العالم.

 ووفرت لها ظاهرة العولمة التي أطلقت من عقالها مع نهاية الحرب الباردة فرصة توسيع هيمنتها السياسية والاقتصادية، فقد أصبح الطريق سالكاً لتدفق البضائع ورؤوس الأموال والأفكار والبشر. من جانب آخر، أحدث التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات ثورة كبيرة في العلوم العسكرية وفي أساليب خوض الحروب وإدارة العمليات في ساحاتها، وأتاح ذلك للولايات المتحدة التي تمتلك قصب السبق فيه فرصة عرض قدراتها المتميزة في المجال العسكري أمام العالم.

هكذا خاضت الولايات المتحدة حربها في العراق كجزء من مسلسل حملتها للقضاء على الأنظمة الحليفة أو القريبة من الاتحاد السوفييتي السابق تحت شعار القضاء على الإرهاب بعد جرحها البليغ في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهي على ثقة بأنها ستكون حرباً قصيرة تحقق فيها نصراً سريعاً. وهذا ما تحقق فعلاً، فقد كان العراق منهكاً ومستنزفاً في كل جانب من جوانب الحياة.

إلا أن الحصاد كان أقل من التوقعات بكثير، إذ لم تستطع الولايات المتحدة أن تبرهن للعالم مدى عظمتها، بل على العكس من ذلك كشفت عن قدراتها المحدودة وعن قصور قابلياتها السياسية في تفهم طبيعة المنطقة وتوازناتها السياسية والدينية والمذهبية.

حملت الولايات المتحدة معها عبر دباباتها وأساطيلها الجوية رسالتها الآنفة الذكر كمشروع سياسي متكامل لبناء دولة عراقية بمواصفاته. أرضى هذا المشروع البعض من العراقيين وأغضب آخرين ووضع طرف ثالث الكثير من الشكوك والمحاذير عليه وعلى أهدافه. ووجد على أرض الواقع تربة غير خصبة لنموه وتطوره وسط دول لم تبخل في توظيف قدراتها لتقزيمه وتطويقه.

إن تحقيق الغايات السياسية عن طريق خوض الحروب لم يكن دوماً نهجاً صائباً، ناهيك عن تدنيه الأخلاقي والقيمي. فقد خاضت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حروباً كثيرة غير مبررة في مناطق عدة من العالم. بعض حروبها في حقبة الحرب الباردة لم تكن موفقة، الحرب الفيتنامية في الفترة 1962 ــ 1975، والحرب في لبنان عام 1983.

أما في حقبة ما بعد الحرب الباردة فقد خاضت لوحدها أحياناً ومع حلفائها في الناتو أحياناً أخرى حروباً ناجحة رسمت فيها خرائط جديدة لمنطقة البلقان، إلا أنها لم تكن موفقة في الصومال عام 1993. وها نحن بانتظار ما ستسفر عنه حربها في أفغانستان المستمرة حتى الآن منذ عام 2002، وحربها في العراق 2003 ــ 2010، من نتائج.

قد تشكل الإجابات عن تساؤلات كثيرة حول قضايا استراتيجية بالغة الأهمية تدور في خلد الكثيرين، أميركيين وعراقيين وغيرهم، عن حصاد الحرب في العراق، مداخل ضرورية لتقييم نتائجها.

فعلى المستوى الأميركي، هل نجحت الولايات المتحدة عبر النموذج الذي ساعدت على صناعته بالعراق في تسويق رسالتها السياسية؟. وهل عززت هذه الحرب سمعتها على المستوى الدولي؟، وهل عززت أمنها القومي؟، وهل عززت من قوة اقتصادها؟، وهل وسعت هذه الحرب من دائرة حلفائها في العراق وفي المنطقة؟.

أما على مستوى الداخل العراقي، لنا أن نتساءل: هل نجحت هذه الحرب في رسم مسار أفضل لمستقبل العراق؟، وهل نجحت في إرساء قواعد نظام ديمقراطي حقيقي فيه؟، وهل تركته وهي تغادر أراضيه في حالة استقرار؟.

أما على مستوى المنطقة، وهو الأكثر أهمية في المنظور الاستراتيجي، فهل جعلت هذه الحرب منطقة الشرق الأوسط أكثر أمناً واستقراراً عن ذي قبل ؟، وهل أضعفت القوى المعادية للولايات المتحدة في المنطقة وحجمت من نشاطاتها؟.

الانسحاب العسكري الأميركي من العراق ليس نهاية القصة، التي سيكون لها، بكل تأكيد، فصول أخرى لم تكتب بعد، ولكن هناك جهوزية لكتابتها لدى أطراف عدة داخل العراق وعلى حدوده. بوادر ذلك قد ظهرت للعيان مع خروج آخر جندي أميركي، فالعملية السياسية في العراق على وشك الانهيار، وفرقاؤها على أبواب الدخول في طور جديد من صراع قد يقود إلى تحقيق الهدف الرئيسي، غير المعلن، من الحرب على العراق وهو تقسيمه. فهل ستنجح الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها؟