عُرفت الكويت بعدة علامات أو ظواهر أو مشكلات في تاريخها المعاصر، الذي بدأ منذ تدفق النفط من أرضها وتصديره في العام 1946. ففي الستينات كانت البلد المزدهر اقتصادياً، والذي أسس دولة الرعاية الاجتماعية أو «دولة الرفاه»، حيث كانت الخدمات فيها مجانية لأهلها وللوافدين إلى ربوعها.

وهي في تلك الحقبة اشتهرت بمجلتها «العربي» التي طبقت الآفاق، والتي قامت باستطلاعات لكثير من ربوع الوطن العربي، التي كانت بكراً آنذاك، بحيث أصبحت استطلاعاتها مادة علمية يمكن من خلالها رصد ومتابعة التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي عاشته تلك المجتمعات. ناهيك عن مسرحها وتمثيلياتها الدرامية وممثليها الكبار، الذين تصدوا لكثير من ظواهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية بل وربما السياسية التي مرت ببلدهم، والتي لقيت تجاوباً من جمهور عريض، وبالذات في مجتمعات الخليج العربي المتشابهة ثقافياً وتاريخياً.

وهي أيضاً البلد الذي هُدد بالاحتلال في بدء استقلاله، وتم احتلاله بعد ثلاثة عقود من ذلك. وهي البلد الذي عرف الانتخابات والمجالس النيابية والبلدية والتعاونية، وزخر، ومازال، بمجتمع مدني نابض بالحياة. وهي البلد الذي مر بتجربة انهيار سوق الأوراق المالية، أو ما عرف بــ «سوق المناخ» في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، والتي أدت إلى إفلاس الكثيرين من أهلها ودخولهم في برنامج المديونيات.

والكويت فــوق هــذا وذاك، عرفت بوجود جنسية «أولى» فيها وجنسية «ثانية»، ونحن هنا ننقل مــا هــو يتردد شعبياً وعلى ألسن الناس، وإن كانت تلك التسميات خطــأ مــن الناحيــة القانونيــة. ثم هي عرفت بوجود ظاهرة «البدون» فيها أو «عديمي الجنسية»، ولفظ «البدون» هذا هو «اختراع» كويتي بامتياز!

ومع وجود تلك الظواهر أو العلامات أو المشكلات التي اشتهرت بها الكويت، أخذ الربيع العربي، الذي نحتفل بمرور عام على اندلاعه، في التأثير بها على الصعيد الداخلي. فقد رأينا الصراع البرلماني الحاد الذي أدى إلى رحيل حكومة ناصر المحمد بضغط من الشارع.

ونحن منذ مدة نشهد تحركات لشباب البدون، كان آخرها تجمع بضعة مئات منهم يوم الجمعة الفائت في منطقة تيماء بمدينة الجهراء (الصحف الكويتية 17/12) مطالبين بتعديل أوضاعهم ومنحهم الجنسية الكويتية.

والحق أن هذه المشكلة التي طال حلها هي نتيجة لعدم حسم أمر هذه الفئة ومنح الجنسية للمستحقين منهم، وتتحملها الجهات المسؤولة. فبعد أكثر من أربعة عقود على بروز هذه المشكلة نجد تردداً وتلكؤاً في وضع نهاية منصفة وعادلة لها.

فمشكلة البدون في الكويت هي مشكلة اجتماعية ذات أبعاد قانونية وسياسية واقتصادية ناتجة عن بناء الدولة الحديثة، الذي أعقب تصدير النفط. إذ كان عدد سكان الكويت لا يتجاوز المئــة ألف في أوائــل الخمسينات، وتضاعف وفقاً لإحصاء العام 1957 نتيجة للهجرة المكثفة من دول الجوار لطلب الرزق في اقتصاد كان يزدهر، وبحاجة إلى أيدٍ عاملة لم تكن توفرها السوق المحلية.

وقد نجم عن هذا التدفق رغبة الدولة في تحديد مواطنيها من الأجانب الذين وفدوا إليها، فصدر قانون الجنسية في العام 1959، وبدأت لجان الجنسية بالعمل منذ مارس 1960. وقد واجهت تلك اللجان منذ بدء عملها كثرة المطالبين بالجنسية والمدعين بانتمائهم إلى الكويت، الأمر الذي حدا بمجلس الأمة (الذي بات يشرع منذ العام 1963) إلى استصدار قانون أوقف بموجبه التجنس، وإن بقيت «لجنة عليا» تحت إمرة الحكومة تنظر في الدعاوى المتعلقة بالجنسية بصفة أصلية أو ما يعرف باللهجة الدارجة «درجة أولى».

وهذا الإيقاف لبعض مواد قانون الجنسية المتعلقة بالجنسية المكملة (درجة ثانية) قد أدى إلى فوات الفرصة لمن كانت تنطبق عليهم تلك الشروط، فأصبحوا «بدون جنسية». وهؤلاء قد تم تجنيسهم بعد أربعة عقود في الدفعات الأولى التي أقرها مجلس الأمة.

أما العدد الأكبر من البدون فكانوا ممن التحقوا بالقوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية. فمع الازدهار الاقتصادي الذي عاشته الكويت في خمسينات وستينات القرن الماضي، لم يكن أحد من أبنائها راغباً في دخول السلك العسكري والأمني إلا القلة، وكان بناء الدولة يتطلب تأسيس تلك الأجهزة، فقبلت في صفوفها الكثيرين تحت مسمى «من بادية الكويت». وعاملت الدولة البدون ـ وجلهم من العسكريين ومن معهم بالتبعية من زوجات وأبناء ـ معاملة المواطنين، ومنحت الجنسية للكثيرين منهم تحت مسمى خدمات جليلة. إلا أن عددهم قد زاد واستشعرت انها لا بد لها من حل المعضلة.

وفي سنة 1986 ألغت «مصطلح البدون» أو من «بادية الكويت» وأطلقت عليهم مسمى «غير كويتي» وطالبتهم إما بإثبــات أنهم كويتيون حسب نصوص قانون الجنسية أو من الأجانب كي تعطــى لهــم إقامات شرعية. وعند غزو العراق للكويت كان عددهم قد وصل إلى 221 ألفاً. وبعد تحرير الكويت تقلص العدد إلى 120 ألفاً، حيث ذهبت البقية إلى مواطنها الأصلية. وللحديث تواصل.