سيذكر العام 2011 ضمن أيام العرب الفارقة بقوة وجدارة بين ما قبله وما بعده.. وفى عوالم الآخرين سيقال إنه كان عاماً عربياً بامتياز. عام الشعوب العربية، حيث الملايين من بسطاء الناس؛ ملح الأرض من المقموعين المقهورين المطحونين أجيالاً وراء أجيال.. الذين استخف بهم بعض حكامهم وأولي الأمر منهم إلى درك أنهم أرادوهم متاعاً يورث كما تورث العقارات الثابتة والمنقولة.

في معظم أيام العرب الخالية، كانت رياح التغيير والتحول غالباً ما تأتي من المشرق، فإذا بها تبدأ فى2011 من المغرب. ولحقب تاريخية نسينا لقدمها وامتدادها متى كان أولها، ظلت أخبار الحكام ومواليهم وأشياعهم وأتباعهم من النخب ذات السطوة والسيط تسبق أخبار عامة المحكومين، لكن عامة عرب 2011 أزالوا هذا التقليد؛ حتى باتت أخبارهم وصور حشودهم الصارخة الزاعقة تسبق كل خبر وصورة، وأصبحت شاراتهم وشعاراتهم وإراداتهم كالأوامر واجبة التنفيذ، فيما تراجعت مشاهد الحكام إلى الخلفية، ومنها ما صار مادة للتندر والسخرية. وفى2011 فهم بعض الحكام، ولكن في وقت متأخر جدا، أنهم يقومون على أمر مواطنين أسياد أحرار، وليس قطعاناً من الرعايا والأتباع الصاغرين.

قبل 2011، كانت قرارات السياسة والحكم وعمليات توزيع الموارد والأرزاق وأوامر المنح والمنع وتعبيرات السماح والرضا والحظر والسخط... تصنع في بعض بلاد العرب داخل أروقة قصور منيفة أو حصون منيعة أو منتجعات ناعسة على ضفاف شواطئ لازوردية ذات مياه رقيقة الأمواج، بعيداً عن جموع الشعب من «السوقة والمتطفلين». غير أن عرب 2011 استنكروا ذلك كله فاستأصلوه وأحالوه نسياً منسياً، وصنعوا قراراتهم بشكل مباشر وعلى الهواء في الميادين والساحات والشوارع والحواري و«الزنقات». وكانت الحياة الحزبية تعانى في هذه البلاد إما من نعيق الحزب الواحد القاهر فوق كل صوت، وإما من غياب الحزبية أصلاً، على اعتبار أن «من تحزب خان»، فإذا بأرض عرب 2011 زاخرة بالآراء والمواقف والمرجعيات الفكرية الإيديولوجية؛ ثرية بقواها ومناظراتها بما يستحق وصف التعددية السياسية بين البرامج والرؤى والرؤى الأخرى.

وفى 2011 ثبت أنه لا صحة للزعم بأن العربي إنسان سلبي عازف أو عاجز عن التعبيرات الديمقراطية ؛ يحمل جينات الكسل السياسي؛ قابل للاستغفال والخنوع الداخلي وليست تجدي في حكمه الا الأساليب السلطوية؛ فاقد لأهلية الفعل والمبادرة الخلاقة...، فعندما أتيحت له فرص المشاركة، خالف هذا الإنسان كل هذه الظنون والأراجيف، على ما سمع الخلق ورأوا في تجربتي الانتخابات التونسية والمصرية.

كان 2011 شاهداً على تحولات كثيرة وبروز أشواق ظلت مخبوءة طويلاً في حياة العرب.. ويقيناً ثمة ما هو آت..

على أنه إذا كانت رياح التغيير الاجتماعي الثوري تأتى عاتية، وربما مزلزلة، سواء جاءت في سياقات سلمية أو عنفية، فان استقرار الجديد بعد اقتلاع القديم لا يحدث بالوتائر ذاتها.. كل أنماط التغيير والتحول التي عرفها عالمنا، لم تعرف الاستقرار والديمومة إلا بعد فترات تفاوتت بين القصر والطول. هذا ليس فقط لأن الترميم والبناء أكثر صعوبة من الهدم والتقويض، ولكن أيضاً لأن أصحاب المصالح والمكتسبات المرتبطة بالقديم المنبوذ على الصعيدين الداخلي والخارجي، لا يقر لهم قرار ولا يهدأ لهم خاطر في مناكفة الجديد الوافد وعدم الاستسلام له سريعاً.

الشعوب الغاضبة قد تتمرد على القديم وتحمل على قواعده ورموزه ومتعلقاته وهى محفوزة بالرغبة العارمة في الخلاص، دون أن تتوافر أحيانا على خطط وتصورات عن البدائل. هذا ما جرى تقريبا بين يدي معظم نماذج الانتفاضات العربية للعام 2011. ونحسب أن أحوال مثل هذه النماذج ومصائرها تبقى مدعاة للقلق والمراوحة ولو إلى حين.. فهي تفرض ذواتها على الحاضر، وتطل على المستقبل بمنهجية أقرب إلى التجريب؛ الذي يحتمل التزام الصواب وسلوك الطرق السريعة نحو وعود المستقبل، كما يحتمل وقوع بعض الأخطاء والعثرات.

نود القول إن طموح عرب 2011 نحو الخلاص جاء جامحاً فواراً وبحيثيات أميل إلى الفعل العفوى الجارف؛ المطبوع بروح الشباب وطبيعته الثائرة.. ولذا فإن المرحلة الانتقالية الفاصلة بين القديم الآفل والجديد المأمول قد تمتد إلى بعض الأجل. وتقديرنا أن زمن هذه المرحلة مرهون بمحددات ضاغطة معينة.. منها بلا حصر: حجم التغيير المنشود واتجاهاته وهل هو كلى جارف أم جزئي إصلاحي؟، وقوة خصوم التغيير من أنصار العهود البائدة الموصوفين بالفلول، وردود أفعال القوى الخارجية المعنية بصيانة مصالحها وما قد تدفع به من تحديات أو تسهيلات، ومستوى نضوج الثوار وأنصار التغيير وحكمتهم في التعامل مع ذلك كله ونحوه..

والحال أن 2011 فتح آمالاً وحمل وعوداً وحرك مياهاً طال ركودها، وأخرج أمة العرب من سبات عميق، ولكنه في الوقت ذاته أغلق أبوابه تاركاً خلفه أسئلة تظل إجاباتها بظهر العام 2012 وما يليه.