سيسفر خروج هرمان كين من ميدان المرشحين للرئاسة الأميركية عن العديد من الأمور الإيجابية. حيث ستكون هناك نهاية لما يقوم به من تشويه لأسماء البلدان الأجنبية وللقدرات النووية التي يملكها بعض منافسينا الدوليين الأكثر خطورة. ولم يحصل أن روج أي مرشح رئاسي للفكرة المؤسفة القائلة إن الجهل فضيلة بصورة تفوق ما فعله هرمان كين. وستكون هناك نهاية لموكب النساء اللاتي اتهمن كين بانتهاك كل شيء، بدءاً من نذور زواجه وانتهاء بأخلاقه الإنسانية الأساسية.

وبالنسبة إلى أنصار كين، فإن هاته النسوة اللاتي وجهن الاتهامات له هن جزء من مؤامرة يسارية واسعة لتدمير محافظ أسود قوي والمرشح الذي تخشاه حقيقة الليبرالية الحديثة برمتها. وقد عمدوا إلى إعادة إحياء مفردات الحروب الثقافية حين وصفوا المؤامرة بـ «الشنق بالتقنية المتقدمة». وتمثل النظرية العنصرية المتأصلة في هذا الوصف آخر إرث كين، الذي يسعنا الآن أن نقول له: وداعاً، فقد كان هرمان كين، من بين أشياء كثيرة، المرشح الأشد تعصباً للمنافسة على البيت الأبيض على امتداد العقدين الماضيين.

ولم يكن تعصب كين ناجماً عن التلميحات والغمز، أو العثرات والزلات، وإنما كان نوعاً تمت معايرته بدقة لرفع معنويات أنصاره، في غمار استرضاء شريحة أكبر من النقاد، سواء على مستوى وسائل الإعلام أو على مستوى البلاد الأوسع نطاقاً. وربما كان أبرز ضحايا تعصب كين هم أولئك الذين ارتكبوا خطأ اختيار الإسلام ديناً لهم. وعلى نحو معروف، قام كين، وهو نفسه قس، بإقحام نفسه في جهود سكان ضاحية مارفريسبورو بولاية تينيسي لمنع تشييد مسجد هناك. وقال كين: «إن هذه مجرد وسيلة أخرى لمحاولة إدخال الشريعة الإسلامية بشكل تدريجي في قوانيننا. وأنا أعترض على ذلك تماماً». وقد قال ما قاله دون أن يستشهد بأدنى دليل.

وتعد المؤامرة المزعومة لفرض الشريعة الإسلامية مصدر القلق الذي تحبذه جماعة معينة في أقصى اليمين، وهي، بالمصادفة، الجماعة نفسها التي دعمت حملة كين بشكل عام. ولم يستخدم كين نظرية المؤامرة هذه لمجرد تبرير حظر بناء مسجد في بلدة صغيرة، وإنما لتبرير استبعاد جميع معتنقي الإسلام من المناصب الوزارية. وحين سئل عما اذا كان مستعداً لتعيين شخص مسلم في مجلس وزرائه، لم يحاول حتى أن يتظاهر بالخجل. إذ أجاب قائلاً: «لا، لست مستعداً لذلك. وفيما يلي أسباب ذلك. فهناك محاولة متنامية لدمج الشريعة والعقيدة الإسلامية في حكومتنا بشكل تدريجي. وهذه المحاولة لا تنتمي إلى حكومتنا».

ولم تمر أيام قليلة حتى بدأ كين في التراجع، على الرغم من وجود دليل مصور على تصريحاته، حيث قال: «لو ألقيتم نظرة على حياتي المهنية، لوجدتم أنني وظفت أناساً طيبين، بصرف النظر عن العرق أو الدين أو الجنس أو التوجه أو أي شيء من هذا القبيل». وفي يوليو الماضي، قام كين، الذي بدا نادماً، بإمضاء وقته مع مجموعة من المسلمين في ولاية فرجينيا، وظهر بمظهر الشخص شبه التائب حين قال: «أنا آسف بصدق على التصريحات التي ربما خالفت التزامي بالدستور الأميركي والحرية الدينية التي يكفلها».

وقد لاحظ المراقبون المشككون الكلمة المراوغة «ربما»، وهي عنصر كلاسيكي من عناصر أسلوب الاعتذار الذي لا يعبر عن الأسف الآخذ في الانتشار. وفي غضون أشهر، أثبت كين أن المشككين كانوا على حق. وعندما سألته مجلة «جي كيو» حول مشاعره تجاه الإسلام، ادعى أن غالبية الأميركيين المسلمين هم في حقيقة الأمر متشددون متخفون، وقال: «لقد تحدثت إلى مسلمين مسالمين. وقد قال لي بشكل مباشر أحد المسلمين المعروفين للغاية إن غالبية المسلمين يتشاطرون الآراء المتطرفة».

ولم يكن موقف كين تجاه المسلمين مفعماً بالكراهية على نحو فريد. فقد انتقد كذلك سواد الرئيس الأميركي باراك أوباما، مصراً على أنه «رجل أسود حقيقي» (المعنى الضمني هو أن الرئيس الأميركي ليس كذلك). وقد استخدم ذلك السواد الحقيقي لتبرئة حزب الشاي من أية مشكلات عرقية بين جحافله. ولكنه، على نحو أكثر دهاء، استخدمه كدرع للترويج لتعصبه حيال المسلمين الأميركيين. ولم تكن تلك الدرع ضرورية على أية حال، والآن بعد أن أثبت كين أن مهاجمة المسلمين لن تؤدي إلى الإطاحة بمرشح ما (إذ يتطلب الأمر أن يتهم المرشح مراراً وتكراراً بالتحرش الجنسي لكي يحدث أمر كذلك)، بل إنها قد تكون في صالحه، فيمكنكم أن تتوقعوا مرشح الحزب الجمهوري «أي أحد عدا ميت» المقبل الذي سيلتقط طرف الخيط من كين.