مع انتهاء أعمال المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية بات السؤال هل من حرب قادمة مع إسرائيل؟
نتيجة المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية لم تكن مفاجأة لأي حصيف أو له دراية بالحالة السياسية والحزبية المصرية، التي تعاني من خواء واضح وفاضح للنظام السابق، حيث كان البديل الديني هو الطرح الوحيد المتاح ولا يزال.
ومع الفوز المتوقع لحزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبنفس القدر وان بتراتبية تليه حزب النور المعبر عن التيار السلفي، بدا وكأن هناك رسالة تفهمتها إسرائيل جيداً، لاسيما وان مواقف الإخوان والسلفيين وان اختلفت شكلًا لجهة إسرائيل إلا أنها تتفق في المضمون الواحد، والنوايا المشتركة الرافضة في نهاية الأمر لمعاهدة كامب ديفيد، والتي يرى كلاهما أنها وقعت من وراء ظهر الشعب المصري وقد حان الوقت مع البرلمان الإسلامي للاستفتاء عليها من جديد لتجديدها أو إلغائها أو تعديل بنودها، وجميعها تقض مضاجع قيادات إسرائيل الأمنية والسياسية.
لم يكن الربيع المصري أبداً برداً وسلاماً على إسرائيل لاسيما وانه يختلف عن نظيره في تونس أو ليبيا، فالتداخل الجغرافي بين البلدين عامل إضافي للتهديد من وجهة نظر إسرائيل، وهذا ما عبر عنه أخيراً الجنرال «آفي ديختر» الذي شغل من قبل منصب رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، نتيجة الارتباط بين الإخوان المسلمين في مصر، وحركة حماس في قطاع غزة، التي تشكل امتداداً لهم، مما قد يحول القطاع لقاعدة أمامية لتطلع الإخوان لتحقيق تواصل جغرافي للعناصر الإسلامية حتى من دون التعرض ظاهرياً لاتفاق السلام مع إسرائيل بحسب المفهوم الإسرائيلي.
أولى التصريحات التي صدرت عن مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الإسرائيلية بشأن الانتخابات البرلمانية المصرية لصحيفة يديعوت أحرونوت قال فيه «إن نتائج الانتخابات في مصر أخطر مما توقعنا، وتدلنا على أن توجهاً متطرفاً سيسود في كل الشرق الأوسط... الإسلاميون سرقوا الثورة عملياً».
ولعل المثير في الأمر انه لم يمر على ذاك التصريح سويعات قلائل إلا وكانت صحيفة جيروزاليم بوست بدورها تؤكد أن «الجيش الإسرائيلي يستعد لخوض حرب محتملة مع مصر على المدى القريب في حالة تدهور علاقات الجانبين وإلغاء الاتفاقية إثر وصول الإسلاميين للسلطة في مصر».
يعبر الكاتب والمحلل الإسرائيلي «اليكس فيشمان» عن المشهد داخل مصر بحسب الرؤية الإسرائيلية بمقولة واضحة لا لبس فيها «القطار المصري يواصل الاندفاع ويبدو أن سائق القطار بدأ يفقد السيطرة... هذا يلزم إسرائيل بتحريك سياقات بناء قدرات حيال الجبهة الشرقية منذ الآن».
على انه وان كانت الانتخابات المصرية وفوز الإسلاميين يزعج إسرائيل، إلا أنهم يدركون في تل أبيب أمرين:
الأول وجود مؤسسة عسكرية مصرية قوية ومتماسكة وصاحبة قرار من جهة.
والثاني هو أن الإسلاميين في الحكم حتماً غيرهم في المعارضة، فالمسؤولية السياسية تلقي بعبئها على كاهلهم والشعب المصري الذي صوت لهم كأغلبية، يعرف طريق ميدان التحرير ثانية حال حادوا عن جادة الصواب، أو أرادوا التلاعب بإرادة المصريين، والذين هم في حال أبعد ما يكون شكلًا وموضوعاً عن الرغبة، ولا نقول القدرة في الدخول في حروب جديدة مع إسرائيل أو غيرها.
لماذا إذن تصدع إسرائيل رؤوسنا بالحديث عن الحرب مع المصريين ومع السوريين كذلك؟
في الحق أن الإشكالية الرئيسية ليست عند مصر أو سوريا أو في غزة، الخوف الحقيقي والمعضلة الأكبر داخل إسرائيل نفسها، والتي لا حياة لها بعيداً عن حد السيف، ولا خطر يتهددها إلا في أحاديث السلام.
عبر ستة عقود من قيامها خلسة على الأراضي المقتطعة والمحتلة كانت إسرائيل ترفض سيناريوهات السلام الحقيقية وبنفس الغي السادر، لا تزال تمنع على الفلسطينيين حقوقهم، في هذا السياق كان ولابد أن تبقى أسيرة «معركة المستقبل» الكامنة لها في كل عقد والباقية لها في كل زمان.
خلال كلمة له في المؤتمر السنوي لرؤساء المجالس المحلية في إسرائيل قال اللواء «ايال ايبزنبرغ» مسؤول قيادة الجبهة الداخلية في إسرائيل «إن المؤشرات الحالية خاصة في أعقاب الثورات العربية وبعد سقوط أنظمة تعاملت إسرائيل معها منذ فترة تشير إلى التغييرات في ساحة المعركة المستقبلية... وان إسرائيل تعيش في هزة إقليمية تبعدها عن الاستقرار».. هل الخلاص من هذا القلق في الهروب إلى الأمام عبر حروب إقليمية، ستجد ولا شك دعماً أميركياً على نحو خاص؟ وهل لذلك تتفحص إسرائيل الجبهات المحيطة بها، بحثاً عن حرب سريعة تعيد بها هيبتها؟
تشير مصادر داخلية إسرائيلية في الأسابيع الماضية إلى توجه داخل حكومة نتانياهو يسعى للاستعداد للقيام بعمل عسكري واسع في المنطقة، أما السبب الرئيسي وراء هذا التوجه فيقرأ على قراءتين:
أولاهما أن الحرب طريق للفكاك من الأزمات السياسية والعسكرية التي تعصف بإسرائيل من الداخل، وفي ذات الوقت تؤمن لها دعماً يهودياً خارجياً، لاحتمالات الانهيارات الاقتصادية المقبلة في أوروبا الأشهر المقبلة والذي قد يؤثر بشكل بالغ عليها.
وثانيها استعادة هيبة وردع القوة الإسرائيلية في المنطقة ومواجهة الضغوطات المصرية والأردنية والأميركية المطالبة بتحقيق نجاعات سريعة في مفاوضات السلام المتوقفة مع الفلسطينيين.
المشهد ربما يكون أخطر بالفعل من التلكؤ أو التنطع الإسرائيلي بنتائج الانتخابات المصرية، وهذا ما أشارت إليه توقعات موقع ديبكا الإسرائيلي الوثيق واللصيق الصلة بعالم الاستخبارات الإسرائيلية، من وجود استعدادات جدية لدى كل من سوريا وإسرائيل لاندلاع حرب في الفترة ما بين منتصف ديسمبر ومنتصف يناير المقبل، وان الطرفين أعدا أرضية النزاع لجولة ربما تشمل كذلك إيران.
هل الحرب الإسرائيلية قدر مقدور في زمن منظور؟
يأمل المرء أن لا يكون ذلك كذلك، لكن إسرائيل ربما لها وجهة نظر أخرى.