بقي الشرق الأوسط على مدى تأريخه الطويل بوتقة ثقافية نشأت فيها أقدم الحضارات وتجذرت فيها العقائد الدينية والمذهبية، وتعددت فيها الأعراق وشاركت فيها الأقليات بمختلف أنشطة المجتمع وبرز منها الكثير من الكفاءات في شتى المجالات لم يكن بالإمكان الاستغناء عنها والتفريط بها.
ولم يكن لهذه الأقليات قوى مسلحة بل عاشت مسالمة في أجواء المنطقة دؤوبة على ممارسة حقوقها الدينية كاملة في بعض المناطق ومنقوصة في مناطق أخرى. ولم تسعى هذه الأقليات إلى هجرة أوطانها إلا في الحالات التي تفقد فيها القدرة على الاستمرار بالحياة في المكان الذي نشأت فيه. ويرجع وجود معظم هذه الأقليات إلى زمن بعيد إلا أن بعضها حديث التكوين، ولا أحد يستطيع الادعاء بأنهم مهاجرون غرباء قادمون من مناطق أخرى، وهو ادعاء، إن صح، فهو غير حضاري على أية حال.
أثارت موجات لا هوادة فيها من التفجيرات والاغتيالات والخطف والابتزاز والاغتصاب على مدى السنوات الثماني الماضية نزوحاً جماعياً للمسيحيين من مناطق سكناهم في العراق. فمنذ عام 2003، فر أكثر من نصف هؤلاء الذين يقدر عددهم بمليون ونصف المليون موزعين بين الكلدان الكاثوليك والآشوريين والسريان الأرثوذكس والأرمن فضلاً عن بعض البروتستانت.
فروا إلى سوريا والأردن وإلى أماكن أخرى نائية في أوروبا وأميركا وإلى مناطق أخرى من العراق. ففي حين يمثل مسيحيو العراق ما بين 3% إلى 4% من مجموع سكانه قبل عام 2003، إلا أنهم يمثلون 40% من لاجئيه حسب تقرير الأمم المتحدة الصادر في فبراير عام 2010. هذا على الرغم من أن الموقف الرسمي للكنائس العراقية هو الثبات على سياسة دامت عدة عقود وهي عدم تشجيع المسيحيين على الهجرة إلى الخارج.
المسيحيون في العراق أكبر أقلية غير مسلمة فيه، إلا أنهم ليسوا الوحيدون الذين يعيشون حالة الخوف، فالطوائف والأقليات الأخرى الأصغر حجماً، المندائيين والإيزيديين والبهائيين والشبك وغيرهم، يشاركوهم في ذلك بدرجات متفاوتة. ومع أن المسيحيين قد أشركوا في وضع معالم الدولة العراقية بعد عام 2003 من خلال المشاركة في مجلس الحكم الذي تشكل عقب سقوط النظام السابق، إلا أن الأقليات الأصغر حجماً لم تحصل على ذلك ولم يكن لها حضور في أية ترتيبات سياسية وقانونية لتحديد شكل وهيكل السلطة في العراق على الرغم من مطالبة نخبهم بذلك.
الاعتداءات على حرمات هذه الأقليات لا تزال مستمرة رغم إدانة معظم القيادات السياسية لها ورغم الوعود والتعهدات التي قطعتها الحكومة على نفسها بحمايتهم والاقتصاص من المسيئين إليهم. ففي الوقت الذي كان إقليم كردستان ملاذاً آمناً للذين نزحوا إليه من مدن العراق الأخرى، أصبح هو الآخر غير آمن لإقامتهم بعد الأحداث الأخيرة المؤسفة التي شهدتها زاخو ودهوك في الثاني من الشهر الجاري.
وإذ يمر هؤلاء بمحنة التضييق على حرياتهم وتهديد حياتهم يتراجع لديهم بالتأكيد مفهوم «المواطنة» الذي يرتبط بالحصول على الحقوق كاملة غير منقوصة وأبرزها ضمان الأمان وتوفير فرص العمل واحترام المعتقد، فقد أصبح معنى «الأقلية» لديهم رديفاً للحقوق المنقوصة أو «اللا مواطنة».
وصل الاضطهاد للأقليات الدينية في العراق إلى مستويات خطيرة غير مسبوقة في مدن عديدة خاصة الكبيرة منها بحيث أدرجت الولايات المتحدة اسم العراق في قائمة واحدة مع دول أخرى متهمة باضطهاد الأقليات الدينية أطلقت عليها مسمى «الدول المثيرة للقلق» بموجب القانون العالمي للحريات الدينية الذي أقرته الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأسبق بيل كلنتون في أكتوبر عام 1998 ليصبح أحد دعائم سياستها الخارجية.
وفي خطوة تصعيدية أخرى من الجانب الأميركي لصالح هؤلاء صوت مجلس النواب الأميركي نهاية يوليو المنصرم بأغلبية كبيرة (402 ــ 20) لصالح قانون استحداث منصب جديد تحت مسمى «المبعوث الأميركي لحماية حقوق الأقليات الدينية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا». أما مهام هذا المبعوث فهي واسعة تشمل العالم العربي وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية، إلا أن مشروع القانون يضع أمام المبعوث أولويات مصر والعراق وأفغانستان وباكستان بسبب تزايد القلق حول مستوى التجاوزات في هذه البلدان.
كما أعرب مشرعو هذا القانون عن مخاوفهم وقلقهم بشأن معاملة المسيحيين في مصر والعراق وأفغانستان وباكستان، والأقلية الأحمدية في باكستان، والبهائيين في إيران، والهندوس في بنغلاديش. وقد رفض كل من الكنيسة القبطية والأزهر هذا القانون واعتبروه تدخلاً في الشأن الداخلي المصري.
يكمن السبب الجوهري وراء التجاوزات على حقوق هذه الأقليات تعاظم دور الحركات الأصولية في المنطقة بشكل عام وترجمة نزعات التطرف والتشدد عند البعض إلى عمليات عنف وتدمير. فمما لا شك فيه أن هناك اختلافات في المعتقدات بين دين وآخر، وهناك كذلك اختلافات داخل الدين الواحد نفسه.
وهناك ممارسات متاحة في أطر دين معين قد لا تكون كذلك في أطر دين آخر، إلا أن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً لافتراض أن الآخر عدو ينبغي تصفيته أو إرغامه على اعتناق معتقد آخر أو إرغامه على التخلي عما هو معتاد عليه من طقوس أو ممارسات اجتماعية لا تلحق ضرراً بأحد.
والحقيقة أن هناك أسباباً أخرى وراء تصاعد نزعة الإقصاء للأقليات الدينية، خاصة المسيحية، في الآونة الأخيرة وهي عدم كفاية القوانين على ردع التجاوزات بما يمنع تكرارها، وتجاهل الدولة لما يحدث أو التدخل بعد فوات الأوان لأسباب مختلفة قد لا يكون التواطؤ بعيداً عن بعض منتسبيها.
كما تكمن وراء الانتهاكات لحقوق هؤلاء أسباب قد لا تكون بدوافع تطرف ديني أو ثغرات قانونية فحسب، فهناك من يرغب أن تدوم حالة العنف وعدم الاستقرار في العراق لتكون مبرراً لتدخله في الشأن العراقي أو الحصول على المزيد من الاطمئنان على أمنه الذي يراه في ضعف العراق. كما أن الوضع الشائك والمعقد في العراق لا يستبعد في ملابساته أن يكون هؤلاء ضحية استراتيجية يراد بها تسقيط بعض القوى السياسية القوية أو ضحية استراتيجية تقوية الموقف الديموغرافي في المناطق التي يطلق عليها مسمى «المناطق المتنازع عليها» بين حكومة إقليم كردستان والمركز.