حوار سياسي يتسم بالشفافية والعمق والبعد الاستراتيجي، ذلك هو الحديث الذي أجرته شبكة «سي ان ان» الأميركية مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي وضع خلال الحوار رؤيته الصائبة والعقلانية تجاه ما يجري من أحداث في المنطقة العربية والعالم.
الشيخ محمد بن راشد كان حكيماً كعادته في الحديث عن الإمارات وممارستها الديمقراطية، وأوضح أن لهذه التجربة خصوصيتها المحلية، وإرثها التاريخي الذي يتواءم مع تفاصيلها المجتمعية القبلية، والعلاقات الطيبة الوثيقة التي ارتبطت بين الحاكم والمحكوم، وفق عقد اجتماعي سليم ارتضاه شعب الإمارات منذ عقود طويلة من الزمن، مبيناً أن الإماراتيين يرسمون اليوم لوحة ديمقراطية تنسجم وبيئتهم، وتسير وفق جدول زمني مدروس.
قال الشيخ محمد بن راشد «يجب علينا خدمة شعبنا، وتوفير التعليم والجامعات والمستشفيات والمنازل، فلا توجد ضرائب هنا، والحكومة تساعد المواطنين». ولذلك يمكن القول إن هذه فلسفة حكم تطرح نفسها لخدمة الشعب، وتقدم له الخدمات دون شعارات أو منة، من قيادة تجد نفسها أقرب إلى شعبها، دون الوقوف عند أيديولوجيات فارغة وشعارات زائفة.
وتناول الشيخ محمد بن راشد ثورات الربيع العربي ليشرح المشهد باختصار، ويعطيها حقها من التوصيف والإنصاف السياسي، في رؤية عقلانية تتماهى مع الواقع كما هو، وتتفاعل مع تجلياته، دون تشنج أو قفز على المعطيات كما هي على الأرض، فقال إن هذا الأمر «يحدث كل نحو 100 سنة ويجب الحذر، فقد يحدث هذا في أي مكان»، غير أنه يرى أن دول الخليج في مأمن من هذه الخضات والأحداث في الوقت الحاضر. وربما لسموه تقديرات دقيقة، لأن دول الخليج تعيش أوضاعاً مستقرة اقتصادياً، ولديها نظم سياسية مستقرة منسجمة مع شعوبها.
الشيخ محمد استعرض الأوضاع السياسية في مصر عقب الانتخابات التشريعية، وما يقال عن المخاوف من جماعة الإخوان المسلمين، واحتمال تحويلها الحكم في مصر إلى نظام شبيه بالنظام الإيراني، فاستبعد سموه أن تنتج هذه الانتخابات نظاماً مشابهاً للنظام في إيران، قائلاً إن «مصر تمتلك جيشاً قوياً، يراقب ما يحدث ويستطيع أخذ زمام المبادرة في الوقت المناسب». وبالفعل، هو توصيف دقيق للحالة المصرية التي لا تمكن مقارنتها بالنموذج الإيراني، لاختلاف الظروف الذاتية والموضوعية في كلا البلدين، ولوجود مؤسسة عسكرية قوية في مصر، ضامنة للمسار السياسي وحامية لنظامها ومكون أمنها القومي، ولإدراك سموه أن الخريطة الجغرافية والسياسية والمكون الحضاري والتفاعلات، تختلف من دولة لأخرى.
وتطرق الشيخ محمد بن راشد إلى الأوضاع في سوريا، مشيراً إلى أن السوريين لديهم مطالب مشروعة يريدون الحصول عليها، ولا بد من الاستجابة لمثل تلك المطالب، للخروج من الأزمة المستحكمة التي تضرب البلاد، غير أن سموه أكد أن «الوضع في سوريا أكثر تعقيداً، بسبب التركيبة الإقليمية حولها والتداخلات الجارية»، مشيراً إلى بعض دول الجوار لسوريا، وتأثيرها على معادلات اللعبة ومتوالياتها، مثل لبنان والعراق.
ووصف الشيخ محمد الوضع في سوريا بأنه أكثر تعقيداً مما هو عليه في مصر وليبيا، بسبب وجود دول مثل لبنان والعراق مجاورة لسوريا، وتابع أن الناس هناك، كبقية الدول، لديهم مطالب بالحصول على فرص عمل وغيرها، وسيستمرون في الوضع الحالي إلى أن تتحقق مطالبهم.
وكانت القضية الأبرز في حديث الشيخ محمد بن راشد، هي المتعلقة بالملف النووي الإيراني وما يثار حوله من جدل إقليمي ودولي، مؤكداً أن إيران دولة جارة، وشعبها مسلم، وتعيش جنباً إلى جنب مع جيرانها منذ آلاف السنين.
واستبعد سموه أن تسعى إيران لامتلاك قنبلة نووية، لكنه قال في الوقت نفسه إن طهران قد تبحث عن أسلحة دقيقة ذات استخدامات وتأثيرات محدودة، وأضاف متسائلاً: ماذا يمكن أن تفعل إيران بالسلاح النووي؟ وأجاب بقوله «على سبيل المثال، هل ستضرب إسرائيل.. كم عدد الفلسطينيين الذين سيموتون؟.. وهل تعتقد أنه إذا ما قامت إيران بضرب إسرائيل سوف تكون مدنهم في مأمن؟.. سوف يتم تدميرها في اليوم التالي».
الشيخ محمد يطرح رؤيته حول الملف الإيراني وما يحمله المشهد، والسيناريوهات المطروحة من مخاطر سوف تطال شظاياها الجميع ولن يسلم منها أحد، وهو الأمر الذي يقود إلى معالجة الأزمة سلمياً، وبحكمة تراعي مصالح الجميع، انسجاماً مع مبادئ القانون الدولي وحماية للسلم والأمن الدوليين.
رؤية الشيخ محمد بن راشد للملف الإيراني وتطورات القضية ضمن تفاعلاتها الإقليمية والدولية، تنبع من حرص سموه على مبدأ الجوار مع إيران، والتعاطي العقلاني مع القضية وفق منطق سلمي، وبما يفضي إلى مخارج آمنة لا تهدد أياً من دول الإقليم، سيما وأن إسرائيل وبعض القوى الدولية، بدأت تقرع طبول الحرب ضد إيران، الأمر الذي سيهدد أمن دول الخليج العربي والمنطقة عموماً.