منذ ما يقرب من عام، وبعد مشاهدة العديد من حلقات برنامج "خواطر" في مراحله الأولى، لمقدمه أحمد الشقيري الذي يتميز بحضور وبساطة التقديم، وكانت تدور حلقات البرنامج حول عرض جوانب الحياة المختلفة للشعب الياباني، والسمات الإيجابية التي يتسم بها، بطريقة انتقائية، عملاً بقول الشاعر: "وعينُ الرِّضى عن كلَّ عَيبٍ كَليلَة ٌ ** وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا". أزعجتني تلك الصورة التي وضعنا نحن العرب فيها، من خلال عقد مقارنة بين الصورتين بطريقة لا تخلو من تحيز مسبق لكل ما شاهده في اليابان، وكأنها جنة الله على الأرض.
والحق أن وجه اعتراضي على الحلقات الأولى للبرنامج، هو أنه لكي يؤكد محاسن ما عند الغير كان يؤكد في الوقت ذاته قبح ما لدينا، متّبعاً الانتقاء في الأول والانتقاء في الثاني.
وهذا نهج في التقديم غريب، وكأننا مغرمون بجلد الذات، وتكريس أننا أمة غير قادرة على صنع شيء جيد، على الرغم من توافر نبل القصد، انطلاقاً من الرغبة في الارتقاء بسلوكياتنا وتجويد ما لدينا، إلا أن حسن النية وحده لا يكفي دون توازن العرض، وعدالة التقديم، وفتح عدسة الكاميرا لترى ما لدينا من حسن، وأن غيرنا ليسوا ملائكة يمشون على الأرض، بل لديهم منغصات تكدر صفو حياتهم، وقد تكون أشد مما لدينا وأكثر خطورة.
وخلال سياحتي بين الفضائيات إذا بي في مواجهة ذات البرنامج "خواطر"، لنفس المقدم ولنفس الهدف، فقلت؛ أنت ثانية! وهل ما زلت تسير على الدرب ذاته؟ في الدورة الخامسة والمتعلقة بالإحسان، الهدف هو الهدف: التوعية وتجويد ما لدينا، ولكن هذه المرة المنهج مختلف، حيث تدور الكاميرات غرباً لتلقي الضوء على المناطق المضيئة، ثم تقارن بينها وبين الإضاءات في بلادنا العربية.
وهذه المرة من دبي، التي قال عنها عندما أخذ واحداً من القطاعات، وهو قطاع المواصلات سواء الداخلية أو الجوية، حين تفقد مطار دبي: "رأيت الإبداع في دبي"، مستعرضاً الصورة الحضارية لمشروع مترو دبي؛ بداية من مراعاة ذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن محدداته التي تطبق على الجميع دون تمييز بين مواطن ومقيم، بدءاً بآداب الجلسة على المقاعد، وليس انتهاءً باستخدام بطاقات الغير، مقارناً بينه وبين مترو لندن، بلد الأنفاق ومعقلها.
وذات الكاميرا تلتقط سلوكيات الركاب والمخلفات على المقاعد، على الرغم من أنه يسبق مترو دبي بمئة سنة أو أكثر، ليؤكد أن تجربة الإمارات تفوقت على تجربة لندن في هذا المجال، إضافة إلى مقابلته لنوعية الركاب التي تستقل مترو دبي ومعدل استخدامهم له، ليكشف بجلاء أنه مشروع حضاري ينم عن عمق الرؤية واستشراف المستقبل، فضلاً عن كونه نقلة حضارية عمّت فائدتها مختلف الشرائح المجتمعية والمستويات الاقتصادية.
ثم قارن بين مواقف انتظار الحافلات العامة، وكيف يجلس الراكب بكرامة، منتظراً بشكل حضاري الحافلة التي يستقلها.
ثم انتقل إلى وجه آخر مضيء لأمتنا العربية، وهو "مطار دبي" باعتباره العنوان الأول الذي يراه من يدخل البلاد، والذي ضرب الرقم القياسي في قِصَر المدة التي يقضيها القادم إليه لإنهاء إجراءاته، متفوقاً في ذلك على مطارات عالمية، باعتباره من أفضل خمسة مطارات على مستوى العالم، على حد قول مسافر كندي طاف بما يزيد على أربعين مطاراً عالمياً، فضلاً عن الشعار الذي حوّله العاملون في المطار إلى واقع ملموس على الأرض، وهو أن "المسافر عبر مطار دبي يعان ولا يهان".
ثم تابع في خواطره، التي تدور حول "الإحسان"، صفحات مشرقة لواقع بلادنا، وهذه المرة من خلال التجوال في محاكم دبي، وفي صدارتها شعار "دبي الماضي والحاضر"، يتوسطه ميزان العدالة، إشارة إلى أن العدالة هي التي نقلت دبي من الماضي إلى الحاضر، ورسالة القضاء التي بعث بها الفاروق عمر إلى أبي موسى الأشعري - قاضي الكوفة - قائلًا: "لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه عقلك، وهُديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".
ولم يكن في تجواله يستعرض فقط جوانب الإبهار في التنظيم والدقة في التعامل، مقارناً إياها بمحاكم النرويج، وكيف أنها تحوي مكتبة قانونية وعيادة طبية وفروعاً لخدمات الطيران ووزارة العمل، بل غاص في كيفية التعامل مع القضايا، بغض النظر عن الجنسية، وأن سيف العدالة فوق الجميع، فضلًا عن توفير المترجمين دون مقابل من المحكمة، لمن لا يجيد التعبير عما يريد باللغة العربية، مشيراً إلى المعايير العالمية لعدالة النظام القضائي، وقدرته على تلبية احتياجات المتقاضين بعدد القضاة لكل مئة ألف مواطن.
حيث إن المتوسط العالمي عشرة قضاة لكل مئة ألف مواطن، في حين أن المتوسط في العالم العربي ستة قضاة لكل مئة ألف مواطن، أي أقل بنسبة 40%، مما يؤخر الإنجاز، وتأخير العدالة نوع من الظلم. أما في دبي فالنسبة ثلاثة عشر قاضياً لكل مئة ألف مواطن، وهي تزيد على المتوسط العالمي بنسبة 40%، والنتيجة أنه لا توجد قضايا مؤجلة، حتى في قضايا التمييز التي تأخذ سنوات.
واستوقفني ما قاله مقدم البرنامج، وكأنه يرد على من انتقدوا "خواطر" في مراحله الأولى، قائلًا إن هذه المرة قد ضاعت حجة من يقولون بعدم إنصاف المقارنة بين البلاد الصناعية والبلاد العربية، فماذا يقولون وأنا أضرب اليوم المثل ببلد عربي، راجياً أن يؤخذ الموضوع على محمل التنافس المحمود بين البلاد العربية دون تحسس، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون}، وأن ما شاهده في دبي يجب أن يكون دافعاً لغيرهم للعمل والاستفادة من تجربتها.
أقول، إذا كان من الشجاعة أن نقول لمن يخطئ لقد أخطأت، فمن المروءة والإنصاف أن نقول للمحسن لقد أحسنت. وهذه المرة أقول لـ"أحمد الشقيري": أجدت وأحسنت؛ لا لأنه تحدث عن إماراتنا البهية ومصدر فخرنا بناسها ورسمها، ولكن لأن جوانب الإشراق في بلادنا العربية كثيرة، وأينما توجه عدسة كاميراتك في إماراتنا الحبيبة ستجد جوانب التميز والإبداع، ولكننا نغفل عنها أحياناً لنشيع حالة من الإحباط والعجز، وهذه رسالة إعلامية عواقبها وخيمة، وهي ذات الرسالة التي حاولت قوى المستعمر زرعها في نفوس أبنائنا.
إن ما قدّمه "خواطر" في مراحله الأولى، مال فيه ميزان العدل ناحية أصحاب البشرة الحمراء؛ لأنه قدّم لنا أحسن ما لديهم في الوقت الذي حرص فيه على تعقب مثالبنا، أما وقد تخلص من ذلك ورأى أن لدينا ما يستحق النظر، فأعتقد الآن أن الميزان قد اعتدل.