ليس صحيحا القول إن صعود نجم أحزاب التيار الإسلامي في عواصم "الربيع العربي"، هو مجرد صدى لتضخم دور القوى اليهودية الأصولية في تل أبيب. فلا المرجعية الإسلامية الزاحفة بثبات إلى عالم السياسة والحكم في دنيا العرب، جديدة أومستحدثة، ولا الجذر الديني التوراتي أمر طارئ بين يدي المشروع الصهيوني، وروايته التاريخية المغشوشة.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن طفو القوى الإسلامية وحضورها الطاغي في بؤرة المشهد السياسي العربي راهنا، يمثل ظاهرة معزولة كليا عن تنامي السعار الديني الأصولي، وتجلياته العنصرية العدوانية في إسرائيل. الأقرب إلى الصدقية والصواب، هو الدفع بأن الظاهرتين منفصلتان، تدور كل منهما في فلك ومدار مستقل، لكن بينهما دائرة يتقاطعان فيها ويتصلان بالتأثير والتأثر.
أما أنهما منفصلتان؛ فلأن المشروع الصهيوني الاستيطاني يستند في أساسه وبنيته الأيديولوجية، على تصورات دينية توراتية، وذلك بغض النظر عن صحة هذه التصورات أو زيفها. ومن المعلوم أن دعاة الصهيونية الأوائل وحماتها، قد تلاقوا على اختيار فلسطين لتطبيق مشروعهم، دون سائر الأقاليم البديلة التي استعرضوها، بسبب جاذبيتها لليهود وما يرتبط بها من أحانين دينية عاطفية، جرى النفخ فيها بينهم عبر حملات دعائية فكرية جبارة.
لقد كان التوسل بالأبعاد الدينية ومازال، مدخلا أصيلا من مداخل استقطاب يهود العالم إلى المشروع الصهيوني. ولا يقل عن ذلك دلالة على أهمية استخدام هذه الأبعاد وتوظيفها، التأكيد على مركزية مدينة القدس في الوجدان اليهودي، وتكرارية الإشارة إلى أسطورة الهيكل وإعادة بنائه. ولنا أن نلاحظ مدى سيطرة الرواية الدينية بعجرها وبجرها، على عشرات الملايين من مسيحيي عالم الغرب، الذين يعتقدون أن قيام إسرائيل واستيطانها يهوديا، يعجل بعودة المخلص قبل نهاية العالم.
في المقابل، لا يمكن فهم البنية التحتية الثقافية للأمة العربية، بمعزل عن العقيدة الإسلامية. وفي فقه قيام الحضارات وقعودها، لا يتحدث أهل الذكر عن فعل حضاري عربي إلا مقترنا بالإسلام وفيوضه، ولذا فإن الأكثر تداولا واستقرارا في هذا الفقه، هو مصطلح الحضارة العربية الإسلامية. ويغالي البعض في دور الإسلام وفضله، إلى مستوى إنكار أنه كانت للعرب حضارات سابقة على انتشاره.
ومن تجليات العروة الوثقى بين العروبة والعرب والإسلام، عدم التفات العرب كثيرا أو توقفهم طويلا أمام قومية بعض الحكام وذوي الأمر والنهي عليهم، طالما كانوا من المسلمين. وقد بقيت هذه الخاصة قائمة وفاعلة منذ إطلالة الإسلام، إلى نهاية الحرب العالمية الأولى وتقويض الخلافة العثمانية، على وجه التقريب. وطبقا لهذه القناعة، لم ينظر العرب إلى الخلفاء الأتراك على أنهم مستعمرون أقحاح. وإلى ربع الساعة الأخير من حياة الدولة العثمانية، ظلت قطاعات عربية واسعة عثمانية الهوى، ترغب في إصلاح أحوال هذه الدولة وليس زوالها.
على أن هناك شواهد توجب اعتبار أن حركة التيار الإسلامي وحراكه السياسي في العالم العربي عموما، قد تأثر، بوتيرة أو أخرى، بما يمثله المشروع الصهيوني من تحديات دينية. فقبل مئة عام تواكبت المشاورات الدولية الغربية حول تطبيق المشروع الصهيوني، مع السعي العربي للانفكاك، على أسس قومية، من إسار الحكم العثماني الممتد تحت ضغط الآصرة الإسلامية. وغداة أفول ذلك الحكم، كان يمكن للفكرة القومية العربية أن تتجذر أكثر على حساب النوازع الإسلامية الدينية السياسية التقليدية، لولا عدد من الكوابح، أبرزها: خيانة الغرب للقوميين العرب عبر اتفاقية سايكس ـ بيكو سيئة الذكر، ودعم المشروع الصهيوني بكل مضامينه الدينية. وتجدر الإشارة في هذا المقام، إلى أن الملك فيصل الأول بن الحسين، هو صاحب مقولة "الدين لله والوطن للجميع"، التي اشتهرت إلى يومنا هذا كدليل على الدولة المدنية الخالية من الانحيازات الدينية.
والحاصل أن سيرورة الصراع الصهيوني العربي، وإحباط القوى القومية العربية مرارا، أعادت البريق وقوة الدفع والجاذبية لأصحاب الرؤى الدينية في الرحاب السياسية العربية. ومن ذلك على سبيل المثال، أن نفرا من هؤلاء فسر هزيمة العرب عام 1967، بابتعادهم عن الإسلام وتعاليمه واضطهاد قواه السياسية! ثم إن مغالاة بعض القوى الدينية الإسرائيلية، شديدة التطرف في إبراز الطابع الديني للصراع وإصرارها على تهويد القدس، بل تهويد فلسطين التاريخية برمتها إن أمكن، كانت ولاتزال دوافع كافية وزيادة، لإذكاء رؤية مضادة مقاومة في الجانب العربي، تقول ان فلسطين أرض وقف إسلامي، وان القدس مسرى النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وانه لا يجوز التفريط في ذلك كله بالمطلق.
في الوقت الراهن، تتزامن وتتوازى محاولات تثبيت الهوية اليهودية لدولة إسرائيل، مع بلوغ القوى الإسلامية مواقع فاعلة ومتقدمة في المشهد السياسي العربي. وسواء جاء هذا التزامن بمحض الصدفة، أو كان تجليا لفعل صهيوني إسرائيلي استدعى ردا عربيا إسلاميا، فالأرجح أنه سيؤدي إلى تعقيدات مضافة لعملية التسوية، ذلك أن الصراعات المشحونة بالأبعاد الروحية الدينية، نادرا ما تقبل الحلول الوسط.