محاضرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، والمعنونة «روح الاتحاد» أعادت الاعتبار لتاريخنا وكتبت فصلاً جديداً مميزاً من تاريخ دولتنا، فصلاً يستقي أحداثه من واقعنا الحقيقي وينطبع بطابع الشفافية والمكاشفة التي تميزت بها دولتنا على الدوام. لقد أعاد الشيخ محمد لتاريخنا تلك الفواصل التي قطعت بعمد أحياناً ونتيجة لخوف أو جهل أو حساسية أحياناً أخرى. لقد أعاد الشيخ محمد مجدداً ربط سياق تاريخنا ليصبح حلقة واحدة متسلسلة متسمة بالمنطق والصراحة والحيادية والتي هي في الواقع من أهم سمات التاريخ الحقيقي للإنسان.

لسنوات طويلة درسنا تاريخنا كطلاب وقمنا بتدريس تاريخ الإمارات كأكاديميين بأخطائه وتخوفاته: بأخطائه لأننا كمؤرخين اعتمدنا على مصادر أجنبية كتبت تاريخ الإمارات من وجهة نظرها وما تمليه عليها مصالحها السياسية والاقتصادية وبالكيفية التي تريدها لمجرى ذلك التاريخ أن يسير.

فكل وثيقة تحمل معلومة كتبت لغرض، وكل حادثة تذكر كان وراؤها هدف آخر، وكل حدث يرتبط دوماً بحدث آخر ربما ليعطي انطباعاً غير ذاك الانطباع الحقيقي لمجرى تاريخنا. وكما كتبنا التاريخ بأخطائه درسناه أيضاً بأخطائه وبتخوفاته خاصة وأن تاريخ الإمارات زاخر بالعديد من الحساسيات التي يعد نبشها هاجساً ويعد تدريسها مبعثاً للقلق. هذه الحساسيات في إمكانها أن تجعل المؤرخين يقعون في الكثير من المطبات الصعبة ويكررون الخطأ تلو الآخر دون انتباه.

لسنوات درسنا وأصبحنا ندرس الطلاب أن أول اجتماع ضم المغفور لهما بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد كان في منطقة السميح أو السمحة. لقد أخذنا هذه المعلومة من المصادر التاريخية المتوفرة لدينا والتي لم يكن لدينا آنذاك سواها.

هذه المصادر تناقلت هذه المعلومة الواحد من الآخر وبالتالي كررت الخطأ نفسه دون تدقيق ودون التأكد من صحة هذه المعلومة. الشيخ محمد كان شاهداً على التاريخ وشهادته أدق من تلك المعلومات التي أوردتها المصادر التاريخية وبطون الكتب.

لذا فحين صحح المعلومة ذاكراً ان الاجتماع انما تم في السديرة، وهي أيضاً منطقة بين أبوظبي ودبي، دعانا لتصحيح التاريخ والعمل بجدية للكشف عن أخطاء أخرى ربما نكون قد وقعنا فيها سهواً. لذا سوف تغير هذه المعلومة من تاريخنا لأنها صححت معلومة تناقلتها الكتب التاريخية على مدى أربعة عقود كلا عن الآخر. فعرقوب «السديرة» سوف يدخل التاريخ على أساس أنه كان المكان الذي ضم أول اجتماع لوضع لبنات الاتحاد عوضاً عن السميح.

قضية أخرى سوف تغير تاريخنا وتضعه في السياق الصحيح ألا وهو الشفافية والصراحة وعدم الخوف في رواية التاريخ. نعم خلصنا الشيخ محمد من عقدة الخوف ونحن نكتب التاريخ. فكثير ما يساورنا نحن المؤرخين الخوف من إثارة الحساسيات أو النزعات القبلية ونحن نروي التاريخ ونكتب فصوله بصراحة وحيادية ونزاهة. ويجب أن نعترف بأن التاريخ ليس دوماً يأتي في سياق جميل ومرتب كما ترويها الأفلام الوثائقية أو كما ترويها المرويات الإعلامية.

فكثير ما كان يشوب التاريخ أحداث تعكر صفوه وتكون حلقات مختلفة في مسيرته. فالتاريخ هو نتاج البشرية بكل ما فيه من خير وشر تجعل من التاريخ تاريخاً إنسانياً زاخراً بكل ما في النفس البشرية من نوازع.

لقد جاءت رواية الشيخ محمد لأحداث الانقلاب الذي وقع في الشارقة في بدايات الاتحاد لتحررنا من عقدة الخوف والحساسية في رواية الحدث ولتفتح فصلاً جديداً من تاريخنا قائماً على المكاشفة والصراحة وعدم الخوف من ذكر أخطائنا لأننا نتعلم من كل خطأ ونكتسب المزيد من الإصرار والحصانة مع كل موقف سلبي يمر بنا. لقد أعاد محمد بن راشد لأذهاننا صفات المؤرخ المثالي وهي صفة الحيادية والنزاهة والصراحة والتجرد من حب الذات والتمجيد، وهي صفات لابد وأن نتسم بها حين نكتب تاريخنا.

لقد أعطانا الشيخ محمد الضوء الأخضر لكي نبدأ كمؤرخين كتابة تاريخنا بعيداً عن المجاملات والخوف وقائمة على المكاشفة والصراحة ليس فقط لكي نعيد لتاريخنا الاعتبار وإنما لكي نقدم للأجيال الجديدة معلومات صحيحة غير منقوصة ولا مغلوطة عن تاريخنا.

إنني أدعو من هنا جميع الشخصيات التي شاركت في وضع لبنة في صرح الاتحاد أن تقوم بوضع خلاصة تجاربها إما في صورة مذكرات شخصية أو روايات أدبية تحكي قصة الاتحاد وأهم العوائق التي مر بها حتى يقوم المؤرخون بكتابة تاريخ الإمارات بصورة صحيحة غير ناقصة ولا مغلوطة.

وأخيراً يمكن القول ان السيناريوهات المفترضة والتي اقترحت من قبل قطر قبل الاتحاد وهي تقسيم المنطقة إلى اتحادين اتحاد الإمارات العربية المتحدة والولايات العربية تدعونا إلى التفكير العلمي الأكاديمي لتصور سيناريوهات أخرى لمواجهة أي فكر انفصالي مستقبلي.

لقد دخلنا في الثاني من ديسمبر 1971 مرحلة تاريخية حاسمة من تاريخنا ودخلنا في 1 ديسمبر 2011 مرحلة أخرى مغايرة، مرحلة قائمة على الصراحة والمكاشفة والأهم من ذلك كله مرحلة التحرر من عقدة المؤرخ الأجنبي والذي وقعنا بسببه في أخطاء تاريخية عديدة أثرت على مناهجنا الدراسية.

لقد آن الأوان لتصحيح الأغلاط التاريخية التي علقت بتاريخنا لعقود طويلة وحان أوان إعادة الاعتبار لتاريخنا وكتابته بالصورة الزاهية التي تليق به وببناة الاتحاد. فهنيئاً لشعب الإمارات باتحادهم وهنيئاً لنا ككتاب ومؤرخين ببدء مرحلة تاريخية جديدة قائمة على الشفافية والمكاشفة، مرحلة ندخلها ونحن مسلحين بروح جديدة وبفكر مختلف وبنظرة لتاريخنا مختلفة عن سابقاتها.