على مائدة العشاء التي أعدها البيت الأبيض عشية التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد، مال الأدميرال «تيرنر» رئيس المخابرات المركزية الأميركية في نهاية السبعينات، على المسؤول المصري رفيع المستوى الجالس بجانبه هامساً في إذنيه بالقول: «انه عندما فقدت أميركا مكانها في مصر عام 1955، بعد صفقة السلاح الشهيرة مع الكتلة الشيوعية، كان عليها أن تنتظر عشرين عاماً قبل أن تسترد موقعها، وسوف تبذل أميركا كل الجهد حتى لا تفقده مرة أخرى».

ماذا عن مآل تلك العلاقة اليوم؟ وهل لها أن تنفصل من جديد أم أنها وصل متصل، وان افتقدت لحميمية ودفء اللقاء بين الحلفاء؟

قبل زيارة وزير الدفاع الأميركي ليئور بانيتا إلى القاهرة بلغ حد الشقاق درجة توجيه المتحدثة باسم الخارجية الأميركية «فيكتوريا نولاند» اتهامات صريحة للمجلس العسكري المصري بأنه وراء تسلل مشاعر العداء للولايات المتحدة».

أما وول ستريت فقد كتبت تقول ان «المجلس عينه هو السبب في إضفاء الشر على السفيرة الأميركية في القاهرة، وانه وراء حملة العداء لأميركا، عبر إدانته المنظمات غير الحكومية التي تقبل أموال المساعدات الأميركية».

والشاهد انه إذا كانت زيارة بانيتا للقاهرة ولقاؤه مع المشير طنطاوي قد عملت على تهدئة الاحتقان بعض الشيء، إلا أن ما يجري داخل أروقة الكونغرس من جدالات بشأن المساعدات العسكرية لمصر، قد أعاد الأزمة إلى المربع رقم واحد، وبخاصة بعد أن كثرت الخطابات شديدة اللهجة التي يرسلها أعضاء مجلس النواب والشيوخ إلى الرئيس أوباما، مطالبين بربط المساعدات بشروط معينة والتهديد بقطعها إن لم تلب.

وقد تضمن مشروع قرار الميزانية الأميركية الجديدة رقم 1701 لعام 2012 في الجزء الخاص بمخصصات وزارة الخارجية والعمليات الخارجية شروطاً جديدة يجب توافرها كي تستمر مصر في تلقيها مبلغ 1.3 مليار دولار العام المقبل، وفي مقدمتها حماية الحدود، ومكافحة الأنشطة الإرهابية في سيناء، وإدانة حوادث الاعتداء على الأقباط، وضمانات للالتزام بالتحول الديمقراطي في مصر.

يعن لنا أن نتساءل: «هل باتت واشنطن اليوم وبعد ثلاثة عقود من كامب ديفيد تمتلك ذات النفوذ على صانع القرار المصري سواء عبر المعونات الاقتصادية أو العسكرية؟ وهل أسلوب المنع والمنح بات يجدي مع المصريين الذين يسعون للإمساك على كرامتهم بأسنانهم ولو باتوا جوعى؟

قطعاً إن المنحة الأميركية البالغة 1.3 مليار دولار في السنة هي ليست كما كانت عليه منذ ثلاثين عاماً. فعندما بدأ تدفق المساعدات الأميركية في عام 1981، كانت المنحة العسكرية السنوية تساوي أكثر من 5% من الناتج الإجمالي المحلي للدولة، وقد أصبحت تلك المنحة أقل من ربع بالمائة في عام 2010، ولهذا يرى كثير من أهل الاختصاص في واشنطن انه نظراً لمبلغ المساعدات الضئيل نسبياً، فمن غير المرجح أن تنجح المحاولات الأميركية لربط هذه المساعدات بالقرارات السياسية الصعبة، وسوف يصبح نفوذ واشنطن في القاهرة ربما أكثر ضعفاً عندما يعود الجيش في النهاية إلى ثكناته.

لماذا جاءت نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة جالوب في وقت سابق من العام الجاري، لتشير إلى معارضة 75% من المصريين لقبول مساعدات اقتصادية أميركية؟

«واشنطن تأخذ أكثر مما تعطي أبداً ودوماً»، هذا هو الرد عند المصريين، والذين لا يرجح المرء اطلاع غالبيتهم، على ما ذكرته مجلة «الورلد بوليتكس ريفيو» في عدد يونيو من عام 2009 على أرقام التسهيلات العسكرية التي قدمتها مصر للولايات المتحدة في الفترة ما بين عامي 2001 و2005، ومنها السماح لحوالي 35 ألف انطلاقة طيران أميركية بعبورها المجال الجوي، وحوالي 850 شحنة بحرية للمرور عبر قناة السويس، ناهيك عن الخدمات اللوجستية الأخرى.

هل تريد واشنطن حقاً للمصريين ان يكرهوها؟

يرى روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن في العاصمة الأميركية والمعروف بميوله اليمينية، ان الولايات المتحدة لا تتمتع بأي نفوذ اقتصادي على الحكومة المصرية، فقد أدت الاختلافات بين القاهرة وواشنطن وبين الإدارة الأميركية والكونغرس، إلى تعليق برنامج المساعدات الأميركية بشكل جوهري، وعلاوة على ذلك فإن المساعدات العسكرية ما هي إلا عامل تأثير سطحي، لأن وزارة الدفاع الأميركية تريد تعزيز علاقات الولايات المتحدة مع القوات المسلحة المصرية بقدر ما يريد المصريون أنفسهم، ان لم يكن أكثر من ذلك.

وفي ظل بيئة كهذه فإن التهديدات الأميركية هي محدودة الفائدة.

هل آن لواشنطن ان تغير من صيغتها الاستعلائية، رغم خزائنها الخاوية، وان تدرك أنها لم تعد روما العصر وكونغرسها ليس كابيتول الرومان بعد؟

ولماذا لا تفكر واشنطن في ان تبعث للمصريين برسالة حقيقية، توضح فيها رغبتها الصادقة غير المنحولة، في تنمية مصر والمصريين، وتوطيد العلاقات الثنائية بندية وكرامة عبر توقيع اتفاقية للتجارة الحرة، لطالما استخدمتها واشنطن كورقة ضغط في علاقاتها مع النظام السابق، ولم تمكنه منها أبداً؟

حكماً لم تعد واشنطن امرأة قيصر.. ولم يعد المصريون كما كانوا من قبل 25 يناير وهذا ما يتوجب على ساكن البيت الأبيض ونواب الكونغرس ان يدركوه قبل ان تخيب آمال الأدميرال «تيرنر» من جديد.