حركات الاحتجاج التي عادت من جديد إلى ميدان التحرير في القاهرة، وانتصار حزب العدالة والتنمية في المغرب، تطرح العديد من الأسئلة عن اللحظة الراهنة من مسيرة الربيع العربي، وهذا يسمح بطرح عدد من الملاحظات.
الملاحظة الأولى؛ أنه يبدو من الخطأ وصف الأحداث الجارية بأنها ثورة. إن الثورة تفترض زوال نظام سياسي واجتماعي واستبداله بنظام آخر، الأمر الذي لم يحدث حتى اللحظة. وباستثناء الحالتين التونسية والليبية، مع الفارق الكبير بينهما، لم يتم الانتهاء من الأنظمة السياسية والاجتماعية. هذا لا يقلل أبداً من أهمية آثار الصدمة التي تجتاز العالم العربي منذ بداية السنة الجارية. هذه الصدمة ستستمر على مدى سنوات عديدة، ومن الصحيح توصيف ما يجري على أنه مسار ثوري.
الملاحظة الثانية؛ تكمن في التساؤل عمّا إذا كان من المناسب استخدام تعبير الربيع العربي؟ نعم، ولا. نعم لكون الحركة القائمة باسم الحريّة، هي تعبير عن نهوض كبير ورغبة من الشعوب في تحطيم جدار الخوف القائم منذ عدّة عقود.
بهذا المعنى يمكن مقارنة ما يجري مع ما أسماه المؤرخون بـ"ربيع الشعوب" خلال التعبئة التي هزّت أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر. وذلك بمعنى أن كل ما قاله بعض المعلّقين والسياسيين عن أن الصدمة ستؤدي إلى انهيار الأنظمة العربية واحداً بعد الآخر، لم يتحقق. وإذا تشابهت الأسباب، فإن كل دولة لها طريقتها الخاصّة في التصرّف، تبعاً لتاريخها وموازين القوى داخلها.
الملاحظة الثالثة؛ تتعلّق بالبرامج البديلة لأحزاب المعارضة. إن الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة منذ عدّة عقود، جعلت من المستحيل أن تبرز خلال عدّة أسابيع أحزاب جديدة متنوّعة وذات نفوذ وقوة. والمعارضون التاريخيون الذين أثاروا بشجاعة فائقة بريقاً من الأمل، لا يمتلكون قاعدة اجتماعية، وهم معزولون نسبياً. الإخوان المسلمون هم الاستثناء الذي يثبت القاعدة، فهم الوحيدون الذين يتمتعون بشبكات شعبية.
فضلاً عن تنظيمهم الحقيقي. وكانوا قد عانوا كثيراً في ظل الأنظمة الاستبدادية، وأظهروا في الوقت نفسه تأييدهم لقيام تحالفات مع قوى سياسية أخرى، وخاصة ذات النزعات الوطنية والاجتماعية ـ الديمقراطية، كما هو الأمر في الحالتين التونسية والمغربية. إن هذا التعلّم للقيام بمصالحات سياسية، يشكّل مؤشراً إيجابياً في سبيل الوصول التدريجي إلى أنظمة سياسية تعددية وديمقراطية.
الملاحظة الرابعة؛ تتعلّق بمسألة العلاقة مع الديمقراطية. فالديمقراطية ليست منظومة يمكن استيرادها من الخارج. ومأساة الشعب العراقي، ضحيّة الرؤية وحيدة الجانب لإدارة جورج وولكر بوش المحافظة الجديدة، لا ينبغي نسيانها. إن الوصول إلى نظام سياسي ديمقراطي، هو نتيجة عمل طويل الأمد، وقد يعرف فترات من المراوحة في المكان وحتى التراجع. لهذه الأسباب، ليس هناك نموذج ـ موديل ـ جاهز يمكن نسخه.
الملاحظة الخامسة؛ تتعلّق بالنموذج التركي. في العلاقات بين الدول، من النادر أن يكون هناك نموذج، وعندما كان هناك كانت النتيجة كارثية. الجميع يذكرون مثلاً الإرادة الستالينية في أن يتم استخدامها كـ"موديل"، في الدول التي كان يقال إنها تدور في فلكها. وتركيا لا يمكن أن تخدم كنموذج، نظرا لتاريخها. وكان قد جرى الإعلان عن قيام الجمهورية فيها منذ نحو قرن من الزمن، بينما لم يتم التحوّل الديمقراطي فيها حتى غداة الحرب العالمية الثانية. لكن هذا لا ينفي واقع أن المواطنين الأتراك اكتسبوا تجربة في هذا المجال، خلال عدّة عقود من الزمن.
الدول العربية لها مسار تاريخي آخر، والشعوب العربية لها تجارب أخرى. لذلك من الخطأ الكبير أن تلجأ لمحاولة تكرار الوضع السائد في تركيا. مع ذلك، لا شك أن تركيا مصدر للتفكير والتأمّل والحوار، بالنسبة إلى المواطنين العرب. إضافة إلى ذلك، يجعل منها الإقرار بها كقوّة في الصف الأول على مستوى الشرق الأوسط، شريكاً استثنائياً.
هذه الملاحظات السريعة، تبيّن بوضوح أنه ليس هناك نمط فكري وإيديولوجي جاهز، لفهم المسارات الثورية التي تتوسّع في العالم العربي، وبالتالي ينبغي اختراع طرق أخرى للتحليل، من أجل إدراك آلياتها الداخلية.