فرحة الإماراتيين غامرة هذه الأيام بحلول اليوم الوطني الأربعين لتأسيس الاتحاد، ذلك الصرح السياسي الشامخ الذي يحتل مكانة بارزة على الصعيد العربي والإقليمي والعالمي، وفرحة قاطنيها ممن وفدوا إليها من أصقاع العالم طلباً للرزق، لا تقل عن مواطنيها، ذلك أنهم عاشوا ويعيشون في ظلها بأمن وأمان، ويشاركون أهلها رغد العيش.
ولا شك أن شعوب الخليج العربي والشعوب العربية عموماً، يشاركون أشقاءهم الإماراتيين فرحتهم، ويغبطونهم على التقدم الذي أحرزوه في العقود الأربعة، وهي فترة قصيرة قياساً إلى أعمار الشعوب والأمم. أما على رأس من يعتبر هذا العيد "عيدين" وفرحته "فرحتين"، فهم أبناء المواطنات الإماراتيات المتزوجات من أزواج يحملون جنسيات أخرى، فلا شك أن هؤلاء قد غمرتهم فرحة عارمة، حيث فتح المجال أمامهم لاكتساب جنسية الأرض التي ولدوا عليها وتربوا في كنفها ولم يعرفوا سواها وطناً.
وهذه الفرحة أيضاً غمرت أمهاتهم المواطنات اللائي نشَّأن أبناءهن على حب الوطن، بأرضه وسمائه وبحره وقيادته. نِعم المرسوم هو ذاك الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ،حفظه الله، بأن تتم معاملة أبناء المواطنات المتزوجات من أجانب أسوة بالمواطنين، ومنحهم الحق في التقدم للحصول على جنسية الدولة حال بلوغهم سن الثامنة عشرة.
فهذا المرسوم الذي صدر من قائد حكيم، يحل مشكلة اجتماعية قائمة، وهي الرغبة الجامحة لأبناء المواطنات المتزوجات من أجانب، بأن يعاملوا مثل أقرانهم من أبناء المواطنين، سواء المتزوجين بمواطنات أو بأجنبيات، وإحساس هؤلاء بأن ولاءهم لهذه الأرض ولقادتها لا يقل عن ولاء أقرانهم. ومن المعلوم أن الجنسية كما يعرفها فقهاء القانون، هي "علاقة ولاء تربط بين فرد ودولة". ثم إن هذا المرسوم يحقق المساواة بين المواطنين، ويلغي التفرقة والتمييز على أساس الجنس، فالمواطن سواء كان رجلاً أو امرأة، سيان في معاملة الدولة له ولأبنائه.
وبهذه اللفتة الكريمة يدخل هذا المرسوم الطمأنينة والسكينة إلى قلوب الأمهات الإماراتيات، اللاتي شاءت الأقدار أن يقترنّ بغير مواطنين، لأسباب يضيق المجال عن ذكرها، علماً بأن الزواج هو نصف الدين، وهو في ثقافتنا "قسمة ونصيب"، وزواج المواطنة من غير أبناء جنسيتها ـ فوق هذا وذاك ـ لا يعتبر "عيباً" أو "عاراً" لا سمح الله.
والمعلومات شحيحة حول عدد المواطنات الإماراتيات المتزوجات من أجانب، وجنسيات أزواجهن وعدد أبنائهن، إلا أنه من خلال احتكاكي الشخصي ببعض من أفراد هذه الفئة وسؤالي عن الموضوع، أستطيع القول إن معظم هؤلاء الأزواج ينتمون إلى الجنسية العربية الخليجية أو العربية عامة، بمعنى أنهم من النسيج الاجتماعي المحلي أو قريبين منه.
على أنني أتمنى أن تنشر الأرقام والإحصائيات حول هؤلاء لتتضح الرؤية. وهذا المرسوم ذو بعد استراتيجي، إذ إنه يزيد من عدد مواطني الدولة، ويصب في سياستها لإيجاد توازن بين أبنائها والوافدين لأرضها. فهذا الوطن بحاجة إلى أبنائه الذين تربوا على أرضه، ونهلوا من تعليمه، وتشكل إحساسهم الوطني في ربوعه.
وهو إلى جانب ذلك، يساير ما استقرت عليه شرائع الأمم المتقدمة وقوانينها، في إفساح المجال أمام أبناء المواطن والمواطنة لأن يختاروا الجنسية التي يرغبون حملها. وقد نحا بعض الدول العربية هذا المنحى، كتونس والمغرب ومصر والأردن، وإن كان بعض الدول العربية ما زالت تعتبر أبناء مواطناتها المتزوجات من أجانب، بمثابة أجانب على جنسية أبيهم كما هو الحال في الكويت، والتي تشن فيها الحركة النسائية منذ مدة طويلة حملة لنيل هذا الحق.
على أن قانون الجنسية الكويتي يجيز لوزير الداخلية أن يعامل القُصَّر من أبناء الكويتية المتزوجة من أجنبي، معاملة الكويتيين في حال كانت الزوجة أرملة أو مطلقة طلاقاً بائناً، ثم يجوز منحهم الجنسية حينما يبلغون سن الرشد.
وقد منحت دولة الكويت الجنسية لآلاف من هذه الفئة في السنوات الأخيرة، علماً بأن عدد الكويتيات المتزوجات من أجانب يربو على الاثني عشر ألفاً، أما جنسيات أزواجهن فمعظمها تنتمي إلى الأقطار العربية المحيطة. إن هذا المرسوم يأتي في إطار سعي دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادتها الرشيدة، لتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، وتأمين العيش الكريم لمواطنيها، وهي قد خطت خطوات واسعة في هذا المضمار بحلول عيد تأسيسها الأربعين. فالتقدم الذي أحرزته في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، وفي مستوى المعيشة، باد للعيان وهو ليس بحاجة إلى برهان.
ثم إن دولة الإمارات تفوق شقيقاتها الخليجيات في سعيها نحو تنويع اقتصادها، وعدم الركون على مصدر وحيد وهو النفط، ولا أدل على ما نقول سوى ذلك الاهتمام بالسياحة، بحيث غدت مدنها كأبوظبي ودبي والشارقة وغيرها، مقصداً للسياح من جميع أنحاء العالم، وبالذات من دول الخليج العربي، وغدت تنافس المراكز التقليدية للسياحة في المنطقة، كبيروت والقاهرة وعمان ودمشق.
مبروك للإمارات في يومها الوطني الأربعين، وهنيئاً لجميع أبنائها في هذا العيد السعيد، وألف ألف مبروك للأمهات الإماراتيات وأبنائهن بهذا المرسوم.