يظهر الاختلاف والتغاير بين اللبنانيين كما لو كان قاعدة ثابتة حيال كل شيء، اللهم إلا ما سبق وأجمعوا عليه قبل بضعة أيام، لمَّا حقق المنتخب اللبناني لكرة القدم نصراً غير مسبوق على كوريا الجنوبية. فخلال متابعتهم للحدث العربي المتمادي، سنجد كيف ترسّخت تلك القاعدة، لينقسم اللبنانيون حيال ما يجري، ودائماً حسب معايير وولاءات تكتظ بها ثقافاتهم التاريخية الطائفية. غير أن خوفاً عارماً يجتاحهم هذه المرة على الجملة، من أن تفضي فتنة التحوّلات المحيطة ببلدهم، إلى إعادة إنتاج فوضى أهلية تضع الوطن والمواطن على شفا جرف هارٍ.

يتساءل اللبنانيون وهم يعاينون بكثير من التريّب مسلسل التحوّلات العربية، عما إذا كان بإمكانهم أن يُفلحوا بتسويةٍ داخلية، ويكونوا معها بمنأى من المؤثر الخارجي. وهكذا يتطارحون ببساطة هذا السؤال: هل تكون النافذة إلى لبنانيتنا الصافية أن نبتني وحدتنا الأهلية على التكيّف مع وئام أو احتدام الأمداء الإقليمية والدولية اللامتناهية؟

الذي يمكن أن يُقال في هذا الصدد، هو أن يجدد اللبنانيون على الدوام عهود التكيّف مع أوضاعهم، وبالتالي مع التحولات التي تعصف بهم، مهما بلغت بهم من دواعي الهلع. فهم لو فعلوا ذلك بإتقان، لاستجاب لهم القدر بالأمان الأهلي الذي ينشدونه.

بعض العقلاء يقول: لا مناص للبنان من أن يدخل سيرورة السلام. ونعني بذلك أن يغادر الاجتماع اللبناني حروبه الأهلية الدورية، حيث تفلح نُخَبُهُ التاريخية في الإمساك بناصية الأزمات السياسية، بما يحول دون تحولها إلى عنف مسلح. وذلك يقتضي أن يتوفر اللبنانيون بطوائفهم ومذاهبهم وهيئاتهم السياسية، على قاعدة معيارية تلزمهم الأخذ بها في سرَّاء السياسة وضرَّائها. وهذه القاعدة تقوم على ركنين نظريّين: ركن العقلانية، وركن الأخلاقية.

هنا يمكن الكلام على ثلاثة مستويات:

المستوى الأول؛ ما يذهب إليه الذين آذتهم الطوائفية، واكتووا بنارها سحابة أجيال مديدة. وقوام قول هؤلاء يبدأ من شعار إلغاء الطائفية السياسية، عبر فصلها عن الدولة ومؤسساتها، لينتهي بشعار العلمانية الكاملة.

المستوى الثاني؛ وهو على خلاف ما يمضي إليه أصحاب الشعارين المتغايرين المذكورين، ومؤداه القول باستحالة العلمانية الكاملة، وتعذّر إلغاء الطائفية السياسية. وهم يستدلون على ذلك بشواهد التاريخ اللبناني، المكتظة بالاحترابات الأهلية الباردة والعنيفة. وهؤلاء على التخصيص، ينتسبون إلى أهل التقليد الذين أخذوا بسجايا اللعبة الطائفية، فارتضوها مذهباً لهم، وخلعوا عليها صفات التقديس، وتعاملوا معها على سبيل القضاء والقدر. وخلاصة ما يعمل عليه هؤلاء، هو التسليم بالأطروحة الطائفية.

المستوى الثالث؛ هو ما نقترحه كسبيل إلى مواطنة سويَّة في وطن سويّ. ونستطيع أن نجد مبرّراً لمثل هذا الاقتراح، ضمن خيارات الاعتدال في "المنطقة الوسطى" أو في ما نسميه "الممكن بين مستحيلين":

ـ نعني بالمستحيل الأول: استحالة التوحُّد على القواعد التقليدية للهوية الوطنية، ولا سيّما تلك التي ألِفَتها المجتمعات الحديثة، من خلال ما عُرف بظاهرة الدولة/ الأمة ذات السيادة على الأرض والشعب.

ـ ونعني بالمستحيل بالثاني: استحالة الانفراط الكامل للعقد الاجتماعي السياسي القائم على الصيغة الطائفية. ولقد بيَّنت لنا اختبارات الحروب الأهلية والتسويات التي أعقبتها على مدى عمر الاستقلال، كيف آلت تلك التسويات بعد كل حرب أهلية إلى مستقر الطوائف ووئامها.

ـ أما الممكن بين المستحيلين، فهو ما نحاول أن ننتزعه من ضفتي الاستحالة معاً. وذلك ما أشرنا إليه في ما أسميناه "عقلانية التقريب بين المستحيلين". ذلك الذي يستظهره اللبنانيون من منجزات التجربة التاريخية لتسوياتهم وعيشهم المشترك، وهو ما يكمن في منطقة وسطى، من مزاياها التعقل والتخلُّق لتيسير الوصول إلى المواطنة الطبيعية. من غايات هذه المنطقة أيضاً، السعي الصادق لاستيلاد إمكان تاريخي لوطن تتصالح فيه رزمة من الثنائيات المتضادة: الطائفي مع الوطني، الديني مع العلماني، والأهلي مع المدني، والمحلي مع الإقليمي. وثمة في الشخصية اللبنانية من المزايا ما يؤهلها إلى التكيُّف مع تعقيدات عيشها السياسي، وبوسع اللبنانيين حين تتسنى لهم مفارقة جحيم الأزمات، أن يجدوا لمواطنيتهم المأمولة محلاً تسكن فيه بأمان، ضمن فسحة من سلام أهلي طويل الأمد.

عندما كتب الفيلسوف إيمانويل كانط مشروعه للسلام الدائم في العالم، كان مدفوعاً بشغفٍ مرير من أجل أن لا تتحول المدن ـ كما يقال ـ إلى مقاهٍ مؤقتة تقابلها مقابر أبدية. لم يكن يهم كانط، يومئذٍ أن يتحول فعل الكتابة لديه ليصبح مجرد أحلام كاذبة. كان يقول: "لا ينبغي أن تكون هناك حرب أصلاً..". ولقد أراد أن يتحول بالسلم العالمي من موضوعة رجاء دينية، إلى مشروع فلسفي غايته تهذيب الإنسان الحديث، والارتقاء به من همجية المتوحشين القائمة على العنف والحرب، إلى الضيافة الكونية، وبالتالي إلى مشروع سلام دائم يحلق في أفق المواطنة الكونية.

أما عن السبيل نحو الارتقاء إلى مكارم الأخلاق وإمكان تحقُّقه لخلق المواطنية الكونية، فلم يكن كانط في ذلك متسرعاً في إظهار التفاؤل. لقد رأى أن الدول ما دامت تركز كل قواها على أهدافها التوسعية العنيفة التي لا جدوى من ورائها، وما دامت تعوّل باستمرار على الجهد البطيء للتهذيب الباطني لنمط تفكير مواطنيها، فلا يمكن أن ننتظر أية نتيجة من هذا النوع. ذلك أنه ينبغي من أجل ذلك، أن نطلق عملاً داخلياً طويل الأمد، تنتهجه كل أمة بغاية تهذيب مواطنيها.

لبنانياً، نفترض أن ثمة نخباً مسدّدة بأخلاقية المواطنة، هي التي ينبغي أن تتولى مهمة التهذيب والترشيد، في حين أن مشروع السلام الأهلي الدائم للبنان يدخل في هذا الفضاء من الفلسفة السياسية. أي في السعي إلى رسم هندسة معرفية، من أجل ضرب مخصوص من المواطنة، قائم على ما يسميه كانط نفسه "الحق الكسموسياسي"، ذاك الذي ينقل السلم من المقبرة إلى المدينة، ومن القديس إلى الفيلسوف، ومن سخرية المقهى إلى جدية العقل..

ماذا لو اقتربنا لبنانياً من مثل هذا السبيل من المواطنة؟ سؤال يعود ليدخل كهاجسٍ معرفيٍ في النفس اللبنانية، من دون أن يبلغ السائلون اليقين بعد. لكن اللبنانيين باقون على خوف مقيم، من أن يمتد إليهم صَدع التحولات العربية، ويذوي "بيت العنكبوت" تحت وطأة جيولوجيا أمنية سياسية، لا تبقي ولا تذر.