في سؤال وجهه أحد الصحافيين الأجانب لحاكم عربي مؤخراً عن توقعاته للعالم العربي للعام 2012 أجاب: «أفضل ألا أتوقع لأن كل توقعاتي للعام الماضي كانت غير صائبة ولم تكن في محلها». وفي الواقع لم يكن هناك في العالم العربي من كان يتوقع أن تنقلب الأحوال في العالم العربي رأساً على عقب. ولكن «لم يكن أحد يتوقع» لا تعني أن الوضع كان بخير وأن الأمور كانت تسير في الاتجاه الصحيح، ولكنها كانت تعني شيئاً واحداً، وهو أن ثقافتنا الاجتماعية المتوارثة عبر العصور والمحافظة كانت ترفض أن تصدق أن تغيراً ما سوف يحصل. كانت تتوقع أن تظل الأمور تسير على نفس النمط ربما لعقد أو عقدين آخرين. فالمحافظة على الأوضاع السائدة والخوف من التغيير لم يكن فقط من أولويات ثقافة الأنظمة العربية، بل من صميم ثقافة الشعوب العربية التي دائماً ما تقول «اللي تعرفه أحسن من اللي لا تعرفه». في ظل سيادة تلك الثقافة لم يكن مستغرباً أن تأتي الثورات العربية كهزة قوية هزت ليس فقط العروش العربية التي ظلت صامدة في مكانها لعقود طويلة، بل هزت صميم ثقافتنا الاجتماعية في أساسها البنيوي، والتي لم تكن يوما تؤمن بالتغير الراديكالي أو المفاجئ.
حفلت المجتمعات العربية بجملة من المتناقضات كانت كافية في حد ذاتها بأن تسفر عن ثورة. فبينما كانت المجتمعات العربية تصغر في أعمار أبنائها وفي شبابها بكل ما يحمله هذا الشباب من قضايا ملحة بحاجة إلى حلول سريعة، كانت الأنظمة تهرم ويصيبها الاهتراء، وبينما كان العالم يصغر كان العالم العربي يكبر، ليس في حجمه ولكن في أعمار قادته، وبينما كان العالم يتطور سياسياً وينحو منحى التكتلات الكبيرة، كان العالم العربي يتمزق وينهج سياسات لا توصف إلا أنها ليست في صالح الشعوب العربية. وبينما سادت ثقافة شبابية قائمة على ثورة التقنيات والعولمة التي جعلت من الشباب العربي الذي يكون أكثر من ثلث العالم العربي والذي أصبحت تجمعه ثقافة واحدة، سادت ثقافة الجمود عقول الأنظمة التي رفضت تصديق أو حتى استيعاب ما سوف يحصل أو حتى التعامل معه بحكمة حين حصل. بينما كانت الشعوب العربية تفقر كان القادة العرب يثرون وثرواتهم تتضخم وتكتسب كل يوم أرقاماً قياسية جديدة، بينما كانت البنى التحتية في الدول العربية تهترئ وتضعف وتختل، كانت البنى التحتية لبلاطات القادة العرب وأجهزة استخباراتهم تتطور وتكبر وتحدث، بينما كانت الثقافة العالمية والسياسيات الدولية تجمع شعوب المنطقة وتوحدهم في ثقافة عالمية واحدة بل هدف واحد، كانت السياسات الإقليمية والعالمية تفرق الأنظمة العربية وتجعلهم في تناحر وخلاف دائم. كان العالم يحفل بالتغيير والتطور، ولكن العالم العربي ظل في جمود وبرود يحسد عليهما، حتى عندما قامت الثورات العربية لم يكن العالم العربي مصدقاً أن تقوم ثورة وأن تقلب كل البديهيات العربية، والتي ظل بعضها قائماً لعقود طويلة دون أن يجرؤ أحد على المطالبة بالتغيير أو المساءلة والنقد. لم يكن أحد يتوقع أن تعرى تلك الأنظمة وتفقد شرعيتها، وتكشف لنا الأحداث عن مستوى الفساد المستشري في العالم العربي والكبت ومصادرة الحريات، تلك العوامل التي ساهمت جميعها في انفجار الوضع أو في تسونامي من الأحداث المتلاحقة بعد ذلك.
أفرزت لنا الثورات العربية الكثير من المتغيرات، ولكن ربما أكثر المتغيرات تأثيراً هي المتغيرات المتعلقة بالثقافة الاجتماعية. فقد أثبتت الثورات العربية بأن تلك الثقافة، والتي كانت دوماً عصية على التغيير، نظراً لتأثرها بباقي الأوضاع العربية الجامدة، تحتاج إلى تفكيك وإعادة تركيب في الكثير من مقوماتها وبنيتها التحتية، بل إن هناك ثقافات اجتماعية بالية تحتاج إلى إلغاء وإقصاء كي يعيش الفرد حراً طليقاً في تفكيره، وفي حياته حتى حين لا يجد الطعام والمسكن اللائق به. الكثير من الثقافات تقبلها العقل العربي بل ساهم فيها دون أن يدري. هناك ثقافة الفساد المستشري والذي يعد عاملاً رئيساً في تلك الثورات، ذلك الفساد المسكوت عنه والذي لم يكن إلا المحرك العفوي لتلك الثورات، هناك عامل الكبت السياسي والاجتماعي والذي مورس من قبل مؤسسات مجتمعية ودينية، والذي ساهم في إبقاء الأوضاع على ما هي عليه لسنوات طويلة. هناك ثقافة تقديس بل تأليه أصحاب المراكز والجاه والسلطان والسلطة، هناك ثقافة الخوف من العسكر، لأنهم يملكون ما لا يملكه الشارع من سلاح ومن تأييد السلطة المطلق لهم، وكانت هناك ثقافة تبجيل المؤسسة الحاكمة، الأمر الذي أضفى عليها نوعاً من القدسية أدت إلى غياب روح النقد والمحاسبة والمساءلة. وعلي الرغم من أنه لا يمكن القول بأن الثورات العربية قد قضت تماماً على هذه الثقافات البالية وعلى كل هذه المتناقضات التي يحفل بها العالم العربي، إلا أنه يمكن القول بأنها نجحت في وضع خطة طريق واضحة أمام الشعوب العربية وعرت صميم ثقافتنا الاجتماعية.
لقد نجحت الثورات العربية في تعرية أسس ثقافتنا الاجتماعية وتنقيحها من الكثير من الشوائب التي لحقت بها من خوف وتقديس وتبجيل وعيب مسكوت عنه. كما نجحت في تعرية بعض المؤسسات المجتمعية التي وقفت لسنوات طويلة مع الجمود وضد التغيير على الرغم من إصرارها على أن التغيير هو سنة الكون. لقد نجحت الثورات أيضاً في تعرية وكشف أوجه القصور في ثقافتنا المتوارثة التي ورثناها لأبنائنا، ولم تكن في مستوى الوعي الذي وصلوا هم إليه. حتى وإن فشلت الثورات في إحداث التغيير السياسي المنشود فيكفيها فخراً بأنها أحدثت تغييراً مؤكداً في ثقافتنا وطريقة تفكيرنا وطريقة تعاملنا مع القادم من الأحداث، وأكدت أن العالم العربي لن يكون جامداً مجدداً. إنها حقاً ربيع القرن الحادي والعشرين.