يرغب حامد قرضاي في أن يصبح صديقاً لأميركا الآن. حتى بعد إهانتها في كل مناسبة على مر السنين، يقول الرئيس الأفغاني إنه يريد الحفاظ على «شراكة استراتيجية» مع واشنطن بعد انسحاب القوات الأميركية وقوات حلف شمال الاطلسي، الذي يفترض أن يتم في عام 2014.
وصرح بذلك خلال اجتماع أخير حضره 2000 من شيوخ القبائل الافغانية. وقد عمد إلى وضع عدد من الشروط، ولكنه تمكن كذلك من الاعتراف بدوافعه الحقيقية. إذ قال: «سنحتاج إلى المساعدات الدولية.» بالطبع! إذ أن تسعين في المئة من ميزانية الحكومة الأفغانية تأتي من المساعدات الدولية. وبالتأكيد فإن نسبة مساوية من ثروة قرضاي الشخصية تأتي من المصدر نفسه.
لم يتعين على واشنطن أن تصغي إليه؟ ففي نهاية المطاف بدأ سلوك قرضاي الغادر في كسر انضباط الجيش الأميركي الذي لا مجال فيه للعاطفة. وحتى الآن، فقد ضابطان أميركيان عملهما بسبب تصريحات متطرفة، وهي ذلك النوع من التعليقات الذي تدربا على عدم الإدلاء به في الأيام الأولى من التحاقهما بالكلية العسكرية.
ولم يحدث ذلك خلال سنوات الحرب الثماني في العراق، ولا حتى مرة واحدة. فما تفسير ذلك؟ إن الحرب الأفغانية لا تعد أطول الصراعات التي واجهتها الولايات المتحدة فحسب، بل ربما أكثرها إحباطا كذلك. ومنذ فترة وجيزة، عمد الجنرال بيتر فولر، نائب قائد برنامج تدريب الجنود الافغان، إلى مهاجمة قرضاي، الذي كان قد صرح أخيراً بأنه سيقف في صف باكستان فيما لو شنت الولايات المتحدة حرباً ضدها في يوم من الأيام. وكل ما قاله فولر هو ما كان يدور في خلد معظم الأميركيين:
«لقد أعطيناك للتو 11,6 مليار دولار، وأنت تقول لي الآن: «إنني لا أكترث حقاً»؟ لم لا تدخل إبرة في عيني فحسب!» وفي العام الماضي، خسر الجنرال ستانلي ماكريستال منصبه بعد إدلائه بتعليقات تنتقد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وطريقة شنها للحرب. وبالنظر إلى ما حدث منذ هجوم فولر، فإن هذه الواقعة تمثل جزءاً بسيطاً من مزيج من الحوادث التي تظهر مدى اعوجاج هذه الحرب.
وأحد الأمثلة على ذلك قيام جندي أفغاني بإطلاق النار على القوات الأسترالية التي كانت تدربه، وهو هجوم يشبه إلى حد كبير هجوماً آخر حصد أرواح ثلاثة مدربين غربيين منذ مدة قصيرة. حين كنت أعمل في العراق، خلال الأيام الحالكة من تلك الحرب، أخبرني ضباط أميركيون بأنهم يدركون حقيقة أن جهودهم كانت ستذهب سدى لو بدأ الجنود العراقيون بتصويب بنادقهم على الأميركيين. ذلك لم يحدث.
ولكن الآن، لا أحد يستطيع إحصاء عشرات المرات التي أطلق فيها جنود أفغان النار على القوات الأميركية وقوات حلف شمال الاطلسي.هكذا يمضي الأمر، فبعد عشر سنوات من هذه الحرب، لم يتغير شيء، ولم يتحسن شيء. ولا عجب من أن ضباط الجيش الأميركي بدأوا يفقدون صبرهم.
إن الحفاظ على الانضباط العسكري «خلال فترة 10 سنوات شكل اختباراً حقيقياً» للضباط الأميركيين، لا سيما عندما يقومون بالدفاع عن «قائد يهين جهودهم بصورة روتينية»، وذلك وفقاً لما قاله لي أحد كبار ضباط الجيش الاميركي، الذي خدم في افغانستان لسنوات عدة، ولكنه رفض أن يذكر اسمه.وأضاف: «لقد بدأ هذا في تثبيط عزيمة قواتنا».
لقد استمرت الحرب في فيتنام لأكثر من ثماني سنوات. وكما لوحظ في كثير من الأحيان، فإن ثمة قواسم مشتركة لافتة بين كل من فيتنام وأفغانستان. ولكن القوات الاميركية في فيتنام لم تكن تقاتل نيابة عن حكومة تعبر بصراحة وعلانية عن كرهها وازدرائها للولايات المتحدة، وتبدي جحوداً مقيتاً عند كل فرصة. وبعد أن قتل 12 أميركياً في تفجير انتحاري في كابول أخيراً، قال قرضاي:
«لقد عمد اعداء افغانستان إلى تنفيذ هجوم غادر وجبان سبب الأسى لبعض العائلات الافغانية». دون أدنى ذكر للقتلى الأميركيين. كان كارل ايكنبري أحد القادة العسكريين الأميركيين في أفغانستان خلال السنوات الأولى من الحرب. ومن ثم تم تعيينه سفيرا.
وفي يونيو الماضي، أي قبيل مغادرته منصبه، ألقى خطابا في جامعة «هيرات» في اليوم الذي تلا قول قرضاي إن قوات حلف شمال الاطلسي كانت في بلاده «لتحقيق غاياتها الخاصة، وأهدافها الخاصة، وهي تستخدم الأراضي الأفغانية لذلك الغرض». وكان أيضاً قد صنف القوات الأجنبية باعتبارها «قوات احتلال».
وقد هاجمه ايكنبري، قائلاً: «عندما يسمع الأميركيون، الذين يخدمون في بلدك بتكلفة مرتفعة، من الأرواح والثروات، بأنهم يقارنون بالمحتلين، ويقال لهم إنهم هنا لتحقيق مصالحهم الخاصة فحسب، ويتم تشبيههم بأعداء الشعب الأفغاني الوحشيين، فإن شعبي، بدوره، سيسيطر عليه الارتباك وسيسأم من الجهود التي نبذلها هنا ». لقد كان الجنرال فولر على حق. ف
لم نقاتل من أجل شعب يستخف بنا، ويخبر العالم بأسره عن مدى دناءتنا في نظره؟ بعد عقد من الزمان، وبعد أكثر من مقتل أكثر من 1700 جندي اميركي وهدر ما يقرب من تريليوني دولار، حان الوقت لجعل قرضاي وأتباعه الجاحدين يتحملون مسؤولية الدفاع عن أنفسهم.