تعيش الانتفاضات العربية اليوم مرحلة جديدة، تمتاز بكثير من التوتر بين المكونات السياسية التي أطلقتها منذ بضعة أشهر. فالقوى التقليدية أو السلفية المحافظة، تريد إبقاء النظام على حاله بعد إجراء تعديلات طفيفة في قياداته وتوجهاته السياسية، وذلك تحت ستار الحفاظ على الوحدة الوطنية، ومنع التدخلات الخارجية. أما القوى الشبابية واليسارية والعلمانية والديمقراطية، فتطالب بتغيير جذري في بنية النظام، يعزز الوحدة الوطنية على أسس جديدة، ويمنع التدخلات الخارجية، ويؤسس لدولة ديمقراطية سليمة، تحترم الحريات الفردية والعامة، وتنشر العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة، وتعيد للعرب موقعهم الفاعل في النظام العالمي الجديد، كقوة بشرية واقتصادية كبيرة، تمتلك ثروات طبيعية هائلة تتنافس الدول الكبيرة للسيطرة عليها.
فالتحولات الاستراتيجية التي فرضتها الانتفاضات الشعبية العربية، تقود إلى استنتاجات مهمة تطال حاضر العرب ومستقبلهم، كدول مستقلة وكنظام إقليمي قيد التشكل. لذلك تطالب قوى التغيير بفرض رقابة شعبية دائمة على القوى السلطوية، في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا، لحماية الانتفاضات الشعبية ومساعدتها على إقامة نظم ديمقراطية سليمة.
وتعمل قوى التغيير على بلورة سياسات وطنية لمواجهة مخاطر الثورة المضادة، وهي تطالب بمواقف جذرية واضحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، لتجبره على وقف التوسع الاستيطاني، وتصر على فك التبعية مع الغرب الاستعماري، الذي يحاول العودة إلى المنطقة العربية كمنقذ لشعوبها من حكام كانوا أداة طيعة في يده لعقود عدة.
لا بد لمصر من أن تعتمد سياسة خارجية جديدة، تساعدها على استعادة مكانتها الإقليمية والعالمية، فضلاً عن دورها القومي. فقد توهمت إسرائيل وحلفاؤها أن المجلس العسكري الذي يدير شؤون مصر الآن، قادر على إبقاء سياسة مصر الخارجية دون تعديل، بحيث تبقى اتفاقيات كامب ديفيد تكبل إرادة مصر والمصريين. لكن قادة الانتفاضة يصرون على إبراز الوجه الحقيقي لمصر الانتفاضة، فتعلن الخارجية المصرية صراحة، أن اتفاقيات كامب ديفيد ليست مقدسة ولا بد من إلغائها، لأن إسرائيل لم تطبق القرار 242 الذي نص على انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المستوطنات التي أقامتها بعد العام 1967.
تتخوف إسرائيل من تبدل جذري في موقف مصر من تلك الاتفاقيات، كما أن الولايات المتحدة تعمل على إقامة شرق أوسط جديد، لضمان مصالح إسرائيل بالدرجة الأولى. وتواجه سياستها الشرق أوسطية انتقادات جذرية في الدول العربية المنتفضة، وأثبت الشباب المصري في معركتهم لإنزال العلم الإسرائيلي من سماء القاهرة، أنهم عازمون على خوض مواجهة شرسة مع الدولة اليهودية، ومع الولايات المتحدة في حال استمرت على انحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل.
لكن القوى المصرية المتحالفة مع الأميركيين ما زالت قوية جداً، مما يجعل نجاح معركة تغيير النظام العسكري مؤشراً على قدرة الانتفاضة على تحقيق أحد أبرز أهدافها، أي تحرير الإرادة المصرية من قانون الطوارئ، فتنصرف إلى مجابهة الدول الغربية التي تمارس سياسة المعايير المزدوجة أو الكيل بمكيالين. فهي تعزز دور إسرائيل في الشرق الأوسط الجديد، وفق شروط الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، وتعمل على حماية مصالحها الخاصة، من خلال قواعد عسكرية ثابتة تشكل مدخلاً لعودة الاستعمار الجديد الزاحف بقوة إلى هذه المنطقة. وتدافع قوى حلف شمالي الأطلسي بشراسة، عن مصالح الغرب والاحتكارات الدولية، فبدأت بتوزيع مغانم النفط والإعمار في ليبيا على الدول المتحالفة، متجاهلة مصالح روسيا والصين فيها.
ويتخوف شباب الانتفاضات العربية من اتفاقيات جديدة على غرار سايكس ـ بيكو، التي قسمت المشرق العربي إلى دويلات شجعت الولاء القبلي والطائفي، ومنعت قيام الدولة الوطنية العصرية. وتحاول قوى التحالف الغربي مجدداً، إطلاق مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي يعيد تفتيت الدول العربية القائمة إلى دويلات صغيرة تخدم المشروع الاستيطاني الصهيوني.
فمارست التدخل العسكري في كل من العراق وليبيا، وتستعد للتدخل في سوريا، ضمن مشروع متكامل لدعم إسرائيل والسيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط، الذي ازدادت أهميته كسلعة استراتيجية عالمية.
وتعتبر الأزمة المالية والركود الاقتصادي العالمي، من الأسباب الخلفية المباشرة التي أدت إلى توجه حاملات الطائرات والبوارج العسكرية الأوروبية والأميركية، نحو سواحل المتوسط والخليج العربي الغنية بالنفط. فالمنطقة العربية تضم احتياطياً هائلاً من النفط والغاز، وهما سلعتان استراتيجيتان لهما أهمية استثنائية في الاقتصاد العالمي، الذي يعاني أزمات حادة في المرحلة الراهنة.
فالمنطقة العربية اليوم عرضة لتنافس حاد بين الدول الكبرى، برزت تجلياته مؤخراً في مجلس الأمن، حين حاولت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي استصدار قرار لإسقاط النظام السوري بالقوة العسكرية الخارجية على الطريقة الليبية، فتصدت لهما الصين وروسيا، وبرز نظام دولي متعدد الأقطاب. وحين تصر الولايات المتحدة وحلفاؤها على إسقاط النظام السوري وفق سيناريوهات متعددة، تطالب الصين وروسيا بحل سلمي للأزمة السورية ورفض كل أشكال التدخل العسكري فيها.
فدخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة استقطاب حاد، يسمح للتدخلات الخارجية بتوليد نزاعات محلية وإقليمية قد تستمر لعقود طويلة، بسبب التنافس الحاد بين الدول الكبرى لحصول شركاتها على حصص مجزية من إعادة تسليح الدول المنتفضة، وعلى نصيب وافر من موازنات إعادة الإعمار عند الانتقال إلى مرحلة التنمية الاقتصادية.
تشهد الانتفاضات العربية اليوم مواجهة شرسة مع أنظمتها الاستبداية ومؤسساتها العسكرية، التي تحاول الاحتفاظ بالسلطة لأطول فترة ممكنة على خلفية قانون الطوارئ، لكنها باتت عاجزة عن قمع تلك الانتفاضات أو التحكم في مسارها المستقبلي. فالقوى الداخلية المنتفضة، تبني وحدتها الوطنية الجامعة على قاعدة منع الحرب الأهلية، وهي تعيش مخاضاً معقداً بسبب تنوع القوى في داخلها، وتعدد اتجاهاتها السياسية.
مع ذلك، ورغم ضبابية المرحلة الراهنة، فإن زمن الانتفاضات يؤسس لوحدة وطنية صلبة، ويمهد لولادة شبكة أمان عربية جامعة، للوقوف في وجه عولمة همجية بقيادة أميركية ومساندة أوروبية. فهناك في المقابل عولمة أكثر إنسانية لا تزال في طور التكوين، عمادها الأمم المتحدة والدول التي ترفض استخدام القوة لحل النزاعات. لذلك تخوض الانتفاضات العربية معركة مزدوجة، لتصفية الاستبداد الداخلي وفك التبعية مع الخارج. ولم تعد الدول الكبرى والأنظمة العربية المرتبطة بها، قادرة على فرض المزيد من الضغوط على الشعوب العربية، وهي عاجزة عن تعطيل مسار الانتفاضات الشعبية التصاعدي، طالما أن الملايين من الشباب العربي المنتفض يملأون ميادين التحرير وساحات الحرية على امتداد العالم العربي.