حدث شيء مثير للسخرية، بالنسبة إلى قانون التعديل الأول، وهو في طريقه إلى الطرح للرأي العام. ووفقا للمحكمة العليا الأميركية، فالمال الآن بمثابة التعبير، والشركات هم الناس. ولكن عندما لا يستطيع الناس الحقيقيون تجميع المال، للتعبير عن عدم رضاهم عن العواقب السياسية لذلك، يتم التعامل معهم على أنهم يشكلون مضايقات عامة، ويتم إطلاق الغازات المسيلة للدموع عليهم، وطردهم بعيداً عن المتنزهات والساحات العامة.

لقد رفعت المحكمة العليا جميع القيود على الإنفاق السياسي، التي صدرت لصالح مجموعة "المواطنون المتحدون" العام الماضي، والآن يتم ضخ ملايين الدولارات للساسة، دون قيد أو شرط. لقد كانت القيود تتحطم قبل قضية "المواطنون المتحدون"، وعلى امتداد سنوات، ظلت الشركت الكبرى تغمر واشنطن بجماعات الضغط، التي كانت تحشد مساهمات الأفراد في شكل حرب ضروس، من خلال تمويل المزيد من حملات أعضاء البرلمان.

 ونشأ باب دوّار بين الجانب الرسمي في واشنطن ووول ستريت، وأصبح الرؤساء التنفيذيون في البنوك مسؤولين حكوميين يسنون قوانين تستفيد منها البنوك، قبل العودة إلى وول ستريت لجني الأموال من القوانين التي قاموا بسنها. وهناك كبار المسؤولين الآخرين، بمن فيهم جزء متزايد من الأعضاء السابقين في الكونغرس، يضغطون من خلال الانضمام إلى جماعات ضغط، ويمارسون ضغوطاً على زملائهم السابقين للقيام بما يريده عملاؤهم.

وإلا فلماذا تفترضون أن معدلات الضريبة المفروضة على كبار الأغنياء، هي الآن أدنى مما كانت عليه خلال ثلاثة عقود؟ ولماذا لا تزيد هذه المعدلات، رغم أن العجز طويل الأمد في الميزانية مفزع؟ وإلا لماذا يدفع أغنى 400 أميركي (من الذين تتجاوز ثرواتهم مجموع ثروة أقل 150 مليون أميركي من حيث الدخل) متوسط ضرائب نسبته 17%؟

لماذا تعتقدون بأنه تم إنقاذ وول ستريت دون تقديم المساعدة اللازمة لأصحاب المنازل الذين باعوا لهم الرهون العقارية، والذين هم غارقون في أزمتهم الآن؟ ولماذا يعاني تشريع الإصلاح المالي من ثغرات كبيرة بما يكفي لتمكين المصرفيين من قيادة سياراتهم الفيراري؟ وإلا لماذا تجني شركات النفط والشركات الزراعية الكبرى، والمقاولون العسكريون وصناعة المستحضرات الصيدلانية، المليارات من الدولارات من الدعم الحكومي والإعفاءات الضريبية الخاصة؟ يقول خبراء إن السباق الرئاسي لعام 2012 من المرجح أن يكون الأعلى تكلفة من أي وقت مضى، حيث تقدر تكلفته بـ6 مليارات دولار. ويقول السيناتور الجمهوري جون ماكين: "إنه أسوأ بكثير مما كان عليه في أي وقت مضى".

المليونيرات والمليارديرات في وول ستريت والأجنحة التنفيذية، لا يسهمون بكل هذه الأموال بوازع من حبهم الكبير لأميركا، فإنفاقهم السياسي يوازي استثماراتهم الأخرى. ويريدون على الأغلب معدلات ضريبية منخفضة، وتشريعات صديقة! إلا أن كل هذا المال يطغى على أصوات الأميركيين المتوسطين. معظمنا لا يملك المال ليحقق النجاح، فقد عرقلت مسألة منح حقوق التعديل الأول لأصحاب الأموال والشركات، حقوق التعديل الأول لنا جميعاً.

هذا هو المكان الذي يأتي إليه أصحاب حركة "احتلوا وول ستريت". وإذا كانت هناك رسالة أساسية للحركة، فهي أن التركيز المتزايد في الدخل والثروة لدى الفئة الأعلى ثراء، يشكل خطراً جسيما على ديمقراطيتنا، فالمال تصاحبه سلطة سياسية. غير أنه عندما يسعى "المحتلون" إلى إسماع أصواتهم حيال كل ذلك، يقال لهم إن التعديل الأول غير قابل للتطبيق، وعندما يتجمعون سلمياً، ويقيمون الخيام في الساحات العامة، يتم الهجوم عليهم وطردهم.

على امتداد أميركا، يقول المسؤولون العموميون إن "المحتلين" لا بد أن يرحلوا. حتى في الجامعات، حيث من المفترض أن تكون حرية التعبير مقدسة، تتم مواجهة التجمعات السلمية بالهراوات والرذاذ المسيل للدموع، ويعترض المسؤولون على المخيمات. لكن المخيمات هي التي اجتذبت انتباه وسائل الإعلام، جنباً إلى جنب مع جهود الشرطة لإزالتها. فلا تصلح حفنة من الناس تحمل أوتاداً لأن تكون خبراً. وعندما يتعلق الأمر بإيصال وجهات النظر، فإن الاعتصام ليس منافساً للمال الوفير.

ينقلب التعديل الأول رأساً على عقب. المال يفصح عن نفسه، ويمكن الآن إنفاق كمية غير محدودة منه في رشوة السياسيين وتملقهم. إلا أن التجمع السلمي يعتبر مصدر إزعاج للجمهور، وتتم إزالته بالقوة.

وهذا مثير للقلق بشكل خاص الآن، لدرجة أن العديد من الأميركيين يواجهون ورطة اقتصادية. فالركود في الوظائف يشتد، على ما يبدو بلا نهاية. ويجري حبس رهن المنازل، والطلاب المؤهلون لا يقدرون على تحمل نفقات الالتحاق بالجامعة، والمدارس تستغني عن المدرسين، والخدمات الاجتماعية الحيوية يتم تقليصها.

فكيف يمكن للأميركيين أن يُسمعوا صوتهم حيال ما ينبغي القيام به بهذا الشأن، إذا لم يتم السماح لهم بالتجمع والتنظيم؟ فمن خلال قلب التعديل الأول رأساً على عقب، فإن الموظفين العموميين يمنحون المصالح الممولة حق إبداء الرأي المتحيز.

والآن، وبصورة أكثر من أي وقت مضى، فإن التعديل الأول لا بد من تنحيته جانباً. فلا شيء أقل من وضع مستقبل ديمقراطيتنا على المحك.