كافة التقارير تشير إلى أن المد الإسلامي يسير على قدم وساق في الشرق الأوسط. وهذا المد المتسارع يشبه السيل الذي لا يوقفه شيء، فلم تعد القوة العسكرية ولا أنظمة اليوم تمتلك قوة الوقوف في وجه التمدد الشعبي، خاصة إذا كانت العقيدة أياً كان موقعها من الخط المعتدل، هي المحرك الأول لتمددها.

العالم يتجه نحو المادية المفرطة. والعالم الإسلامي بدأ منذ التسعينيات بشكل واضح يتجه نحو العودة للأصول. والإسلاميون في تكاثر في العدد وأحياناً في القوة. على عكس ما كان يحدث في زمن تمدد القومية العربية في الوطن العربي بعد ثورة عبد الناصر.

فجيل الشباب الذي كان حتى البارحة لا يعبأ كثيراً بالدين أو لا يمارس العبادات إلا من وراء قلب لأنها أمر يجب إطاعته أو لاتقاء لوم الآخرين أو خوف من معاتبة الأهل، أصبح هذا الشباب اليوم هو من ينادي بترك مغريات الدنيا والرجوع إلى أركان الدين. وانتشرت بالتالي الجماعات الإسلامية بشتى درجاتها بين أصولية ومتطرفة ووسط وزاهدة وثائرة ووظفت لنفسها القنوات الفضائية والمواقع الالكترونية والمدونات الشخصية لنشر هذا الاتجاه أو ذاك فدخلت كل بيت، وربما أصبح متابعو القنوات الدينية يزيدون على متابعي القنوات الإخبارية والمنوعة.

هناك ظاهرة وهذه الظاهرة ليست بلا أسباب اجتماعية وتاريخية أدت لحدوثها. فعقدة الذنب التي ترجع إلى عصر ضياع الأندلس ما زالت تلهب صدور المسلمين. والعقود التي عاشها العرب تحت نير الاستعمار الغربي والظلم والتعذيب والقتل والاستغلال التي مارسها ضدهم وعليهم (هو في الحقيقة استيطان واحتلال ولا صلة لكلمة استعمار بالعمار والإعمار والتعمير) وعدم قدرة المسلمين على الثأر والانتقام والرد جعلها تتوارث جينياً من جيل إلى جيل في الأحاديث المنزلية والكتابات الأدبية والأعمال الفنية.

ثم أن الأنظمة التي من جهة - تم تنصيبها ثم دعمها وحمايتها من قبل الغرب بشكل قسري وغير حضاري ودكتاتوري على شعوب العالمين الإسلامي والعربي بعد تقطيع أوصاله، إضافة إلى من جهة أخرى - عدم كفاءة هذه الأنظمة في تسيير أمور البلاد بشكل نزيه وانشغالها بالتشبث بكرسي الحكم وجمع الأموال لنفسها ولبطانتها وممارسة كل أساليب كتم الحريات للشعوب التي تحكمها وتقديم كافة التنازلات للغرب لحمايتها ودعم ألد أعداء الأمة الإسلامية ألا وهي إسرائيل، وسكوتها عما يصنع بالشعب الفلسطيني وازدياد نسبة الفقر والبطالة في أغنى بلدان العالم الإسلامي من حيث المساحة القابلة للاستثمار الزراعي والصناعي والتأخر العلمي والصحي وغيرها من الأسباب العديدة، كلها وحدت الشعوب المقهورة للبحث عن سبب هذا الظلم وإيجاد مخرج له. والكثيرون بحثوا هنا وهناك عن حل منذ زمن طويل ولكن دون أن يلجؤوا إلى نقل النظرية إلى حيز تطبيق. وربما غلب الخوف بسبب قلتهم وقلة حيلتهم على إرادتهم.

والمحاولات الصغيرة التي قام بها الإسلاميون في بعض الدول العربية لإيجاد شرخ صغير في سور هذه القلاع تم القضاء عليها قبل أن تتوسع، لكنها حركات ظلت تعتمل في القلوب، خامدة ونائمة ولم يتم القضاء عليها تماماً.

وظلت تعمل فيما بينها وبشكل حذر في انتظار الظروف المواتية. غير أن هناك أمرين غير متوقعين حدثا خلال فترة زمنية متقاربة وقلبا موازين الأمور لصالح الحركات الإسلامية. الأول يتمثل في هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي أثبتت بأن المسلمين قادرون على تدويخ رأس أكبر قوة عسكرية في العالم.

ولنكن صريحين مع أنفسنا حتى لا نضحك على أنفسنا وعلى كتب التاريخ، بأن المسلمين في داخلهم شعروا في شتى أنحاء العالم، خاصة ممن يضمرون الكره للهيمنة الغربية والأميركية على العالمين العربي والإسلامي، شعروا بالغبطة لما حدث، رغم تضامنهم وتضامننا المعلن مع الضحايا الأبرياء. هذا الشعور بالقدرة على إلحاق الهزيمة بالغطرسة العالمية وإحياء كرامة الأمة الإسلامية، بدأ يدغدغ بعد تلك الضربة القاصمة أفكار العديدين ممن كتموا حماسهم الإسلامي الداخلي. الأمر الثاني الذي ألهب صدور المسلمين بكافة أطيافهم هو سقوط (أسطورة إسرائيل التي لا تقهر) على يد فئة صغيرة من المقاومين الذين يتبعون حزب الله.

وتبع هذا الشعور بأن الإسلام وحده قادر على تغيير الأوضاع والقضاء على إسرائيل وإسقاط الأنظمة التي يتهمونها بالعمالة للغرب وسبب التخلف والفقر والقهر الذي يعيشه العالم العربي.

وما إن بدأت عجلة التغيير تطحن النظام التونسي، حتى تحركت في مصر ثم انتقلت إلى ليبيا واليمن وسوريا بشكل متسارع. ولو دققنا جيداً في المنظر العام، لوجدنا أن الإسلاميين حاولوا سواء أثناء تلك الثورات أو بعدها أن يكون لهم نصيب بارز في التغييرات الحادثة. وها هم اليوم في مصر أصبحوا القوة التي يخشى الغرب تمددها. فمصر يحسب لها الغرب ألف حساب. وإسرائيل تحسب لها ألف مليون حساب. وإسرائيل تعرف من خبرتها في الشمال وفي الجنوب أن الاصطدام مع القوة الإسلامية ليس بأمر هين ولا سهل. وقبل أيام حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو من «تعرض منطقة الشرق الأوسط لموجة تطرف إسلامي مناوئة للدول الغربية والقيم الديمقراطية».

وقبله حذر أكثر من مسؤول استخباراتي إسرائيلي عن مثل هذا التخوف. بل إن بعضهم أصبح يحذر من قيام إمبراطورية إسلامية عظمى في زمن قصير تقودها جماعات الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسوريا (فيما لو سقط نظام بشار الأسد مثلًا)! أي أن كل الدلائل تدل على وصول الإسلاميين إلى الحكم في تلك الدول، آجلاً أم عاجلًا.

في كل مكان حصلت فيه ثورة في الوطن العربي أو لم تحصل فيه بعد أو بدأت تفرض وجهات نظرها ومطالبها فيها بصوت مرتفع كما يحدث في الأردن على سبيل المثال، سنجد أن للإسلاميين فيه المكان الأبرز. وربما بدأ البعض حتى من المسلمين المعتدلين في التعبير عن تخوفه من أن يتحول الإسلام إلى تطرف يتجه نحو رفض اختلاف الآخر وعدم التسامح وعدم التعايش مع الأطياف الأخرى. وبالتالي، يخرج الإسلام عن تطبيق مبادئه الإنسانية العليا التي نادى بها رسول البشرية، وعن عالميته لينحصر في نظرة ضيقة جداً تعيد العالم العربي والإسلامي إلى عصور ما قبل الإسلام.