بحلول ذكرى يوم الاتحاد من كل عام يتجدد السؤال لدى المراقبين من الداخل والخارج: لماذا نجح اتحاد الإمارات بينما فشل غيره؟ هل السبب وراء نجاح الاتحاد هو الثروة البترولية التي وفرت الموارد اللازمة لغايات التنمية أم أن السبب هو عدم وجود تجربة سابقة في المنطقة تقارن بها وبالتالي كان الاتحاد هو التجربة الأولى وهو الخيار الوحيد؟ هذه النوعية من الأسئلة تطرح في كل عام بل وفي كل مناسبة تتعلق باتحادنا الذي نجح في جذب الانتباه لمنجزات غير مسبوقة قامت على أرضه، منجزات لم يستطع غيرنا تحقيقها رغم كل ما توفر له.
لم تكن المنجزات المادية هي فقط ما ميزت اتحادنا بل لمساته الإنسانية والخيرية التي امتدت إلى كل ملهوف ومحتاج في أقصى بقاع الأرض. فقد امتدت يد الاتحاد إلى أقاصي المعمورة تعمر وتعلم وتزرع الخير في كل مكان. نعم إن اتحادنا نجح ولكن نجاحه ليس بالصدفة ولم تأتِ تجربة الإمارات تقليدا لتجارب وحدوية أخرى في العالم. إنها تجربة استقتها الإمارات من بيئتها المحلية ومن مقومات حضارتها العريقة ودينها السمح. ولذا لا يمكن أن نطلق عليه مسميات أجنبية مستوردة. فهو ليس اتحادا فدرالياً ولا كونفدرالياً، بل اتحاد استمدت أطره من البيئة المحلية وهو شبيه بتلك التحالفات العربية ذات الغايات النبيلة التي عرفتها المنطقة منذ مئات السنين.
نجح اتحاد الإمارات نتيجة لخمسة عوامل جميعها مستوحاة من البيئة المحلية ومن ثقافة المجتمع وحضارته ودينه الإسلامي السمح:
العنصر الأول الذي ساهم في نجاح الاتحاد وديمومته واستقراره يكمن في قيادته المعتمدة على أسس الحكم الرشيد والتي لم تختزل الاتحاد في شخص بل كان الاتحاد من أجل أمة. فقد حظي اتحاد الإمارات من تأسيسه وحتى هذه اللحظة بقيادة أبوية وإنسانية حانية جعلت من العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة سلسة وعفوية، علاقة جعلت من الحاكم أبا للشعب جميعا وواحدا منهم وليس بأفضل منهم. هذه العلاقة المتميزة التي وضع أسسها الآباء المؤسسون مثل زايد وراشد والرعيل الأول من المواطنين سارت عليها القيادة السياسية حتى الآن. فبادل الشعب قيادته حبا بحب وولاء بولاء وثقة مماثلة. هذه الثقة والحب المتبادل كان سببا من أسباب نجاح الاتحاد وبقائه نضراً مزدهراً طوال هذه الفترة رغم كل التحديات والصعوبات.
العنصر الثاني الذي ساهم في نجاح الاتحاد في كونه اتحاد عطاء لا أخذ، بمعنى أنه أعطى للامارات الأعضاء فيه امتيازات في صورة مساعدات ومعونات متعددة ولم يأخذ منها أيا من سلطاتها المحلية إلا ما تريد كل إمارة أن تعطيه، ولم يفرض عليها أي قيود تؤثر في استقلالها المحلي وادارتها لمؤسساتها المحلية. هذا الأمر سهل فكرة الاتحاد في البداية وجعل من أمر الاندماج لاحقا أمرا مفروغا منه وساهم في توفير أرضية صلبة وقف عليها شعب الإمارات فخورا باتحاده حتى اشتد عود ذلك الاتحاد وأصبح وجوده شيئا لا غنى عنه.
العنصر الثالث الذي ساهم في نجاح فكرة الاتحاد أنه كان اتحاد عمل لا شعارات. فلم يرفع قادة الاتحاد أي شعارات ثورية أو أيديولوجيات معينة ولم يسعوا لتصدير أفكارهم، بل كان تركيز الاتحاد وقادته على الإنسان ورفاهيته واستقراراه وأمنه وأمانه. فلم نسمع أن زايد رفع شعارات ثورية ولم نسمع أنه سعى يوما لغرض أو هدف سياسي غير رفاهية الإنسان الإماراتي وتوفير العيش الكريم له. فعوضا عن تسخير الثروة لأغراض غير وطنية أو غير إنسانية سعى الاتحاد منذ تأسيسه لهدف واحد وأكيد وهو تسخير الثروة البترولية لرخاء الإنسان الذي حظي بأولوية قصوى في كل الخطط التنموية السابقة واللاحقة.
العنصر الرابع لنجاح الاتحاد أنه كان اتحادا محليا استقى كل مقومات بقائه وأسس ديمومته من البيئة والثقافة المحليتين ولم يستورد أي اطار أو فكرة من الخارج على الرغم من أنه كان منفتحا على محيطه العربي والإقليمي والعالمي. لم تكن هناك تجارب محلية سابقة يمكن المقارنة بها ولذا كان الاتحاد هو الحل وهو الخيار الوحيد المنشود محلياً.
العنصر الخامس والأخير يتمثل في تبني اتحاد الإمارات ومنذ تأسيسه لسياسة حسن الجوار والحلول السلمية وسياسة اليد المفتوحة مع جميع الأشقاء ودول الجوار حتى المختلف عنا ومعنا. فلم نسمع على لسان الرعيل الأول أو من أقوالهم إلا الحلول السلمية التي تراعي قيم حسن الجوار والرغبة الأكيدة في التعايش مع الآخر بكل حب وسلام، ولم نعرف عنهم إلا حبهم للخير ورغبتهم الأكيدة في السلم وفي مد يد العون للمحتاج والملهوف حتى وصلت سمعة الإمارات الطيبة إلى أقصى بقاع المعمورة. هذه السمعة الطيبة كانت للاتحاد رصيدا معنويا متميزا ساهم في إعلاء شأنه وتميزه عن غيره بأنه اتحاد سلم لا حرب، اتحاد خير لا شر، واتحاد عطاء لا أخذ.
هذه العناصر جميعها ساهمت في ديمومة اتحاد الإمارات متألقا نضرا مزدهرا بينما فشلت اتحادات أخرى في العالم. فشلت اتحادات كانت تمتلك من القوة ومن الثروة والموارد البشرية ومن الخبرة السياسية ومن المؤسسات العسكرية الضخمة ما كان يؤهلها لأن تصبح قوى عظمى لو اختطت لنفسها نهجا مختلفا. وبينما كانت تلك الاتحادات تتمتع بكل تلك الميزات قام اتحاد الإمارات في منطقة لم تتعود بعد على التحالفات السياسية الحديثة، ولم تكن تملك بنية تحتية متطورة، بل لم تكن تمتلك موارد بشرية كافية يمكنها أن تقوم بكل أعباء ومسؤوليات الاتحاد. ولكن اتحاد الإمارات نجح لأنه اختط لنفسه نهجا مختلفا بينما فشلت اتحادات أخرى لأنها تفتقد أولا الشرعية الشعبية وثانيا لأنها قامت لخدمة أغراض أيدولوجية وثورية معينة وليست خدمة إنسان تلك المنطقة، لهذا نجح اتحادنا بينما فشل غيره.