يمكن اعتبار الفقيه من حيث المبدأ مثقفاً، ذلك أن الدليل المعرفي لمصطلح المثقف يشمل مصطلح الفقيه أيضاً، فمصطلح المثقف يستوعب جميع منتجي الأفكار وناشريها وحملتها ومستهلكيها، وعلى ذلك يشمل هذا المصطلح، إضافة إلى المثقفين علماء الدين والكتاب والأدباء والفنانين والصحافيين وجميع الذين يشتغلون بالفكر ونقده وتأويل الأفكار والاجتهاد وما يشبه ذلك.

نجد عند البحث والتدقيق أن الفرق بين خطاب المثقف وخطاب الفقيه شاسع جداً، من حيث مرجعية كل منهما، فالكتب السماوية هي المرجعية الأساس للفقهاء الذين يهتمون بدراستها ودراسة العقائد الدينية وتفسيرها، ويهتمون بتأويل هذه النصوص والاجتهاد في شرحها ونقد الفقهاء الآخرين وموافقتهم أو مخالفتهم الرأي في اجتهاداتهم. بينما يهتم المثقف عادة بتشكيل الوعي الجماهيري أو وعي الناس عامة، وبالنقد الشامل لمختلف جوانب حياة المجتمع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وكثيراً ما يتحدى السلطة والمجتمع ويعتبر نفسه مسؤولا عن المشاركة في تطوير الحياة العامة وأفكار الناس، حتى إن جان بول سارتر عرّف المثقف بأنه من يدس أنفه في كل شيء.

إن الخطاب الديني هو خطاب عام، يطالب بالإيمان بالغيب وبالعقائد، يقدسه الناس.ويعتمد على سلطة النص والإيمان، ويعتبر نفسه حكماً ومقياساً للخطابات الأخرى، وهو خطاب آمر يتجه من مرسل إلى متلقي، لا يقبل الرأي الآخر، ويعتقد بأن على المؤمنين قبوله قبولاً لا جدال فيه ولا نقاش، يعتمد على النقل أساساًَ، بينما ينزع الخطاب الثقافي أو الفلسفي إلى أن يكون خطاباً عقلياً برهانياً. يقبل الحوار. قادراً على التعميم والتجريد والصياغات النظرية للقوانين. إنساني النزعة متفاعل مع الحضارات الأُخرى. ويقيم الخطاب الثقافي علاقة جدلية مع الرأي الآخر، وهو منفتح نسبي يرفض الإطلاق، ويهتم بمختلف شؤون الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها. وهو واقعي يتأثر بمصالح الفئات الاجتماعية وصراعاتها. لأن اهتمامات المثقف متعددة الجوانب، تدخل في زوايا المجتمع كافة، بهدف التأثير في حياة الناس ورسم معالم مستقبلهم.

يعود أساس القطيعة بين المثقف أو المفكر والفقيه إلى الاختلاف الحاصل بينهما على صعيد المصدر المعرفي، ذلك أن ما يتولد عن النص هو ليس نفسه الذي يتولد عن الواقع، وأن مدّ الجسور بينهما يستدعي تأسيس أحدهما على الآخر، وهو ما يعمل عليه كل من المفكر والفقيه، ولكن بطريقة مغايرة. فبينما يقوم الثاني بتأسيس فهم الواقع على النص؛ يخالفه الأول بالعمل على العكس، رغم أن النص والواقع كلاهما كتابين لله تعالى؛ تدويني وتكويني كما يقول يحيى محمد.

هناك تشابه كبير بين خطاب الفقيه وبين خطاب المثقف المنتمي لأيديولوجية بعينها، ذلك أن خطاب مثل هذا المثقف الملتزم يرتبط بنظرته الأيديولوجية، وعلى ذلك يكون خطابه متشدداً وحيد الجانب سلطوياً، والأمر نفسه نجده في خطاب الفقيه الذي يرى فلسفة الكون والحياة برؤيته الخاصة واجتهاده وهي بشكل عام رؤية وحيدة الجانب جامدة مطلقة، ويعتقد الفقيه أن على الآخر قبول خطابه كما هو، وإلا اتهمه بالمروق، وهكذا يلتقي الخطابان (أيديولوجياً) عند صفات واحدة متشابهة من حيث الأسلوب رغم تباعدهما من حيث المضمون والهدف.

رغم أن الفقهاء تعاملوا غالباً مع النص واعتبروه مرجعيتهم الأساس التي يفسرون من خلالها الأحداث والعلاقات بين البشر والتعامل والعبادات وصولاً إلى العلاقة مع الفقهاء الآخرين ومع المثقفين غير الفقهاء ومع الحاكم، فقد أقحموا أنفسهم في الفلسفة والعلوم الطبية والتطبيقية بشكل عام وحاولوا أن يسيطروا على الحياة الثقافية، وأن يكونوا صوت الحاكم وفكره وفلسفته ووسيلته لتمكين حكمه من الهيمنة على المجتمع. فقد كتب الفقهاء في مختلف العلوم الدينية وغير الدينية، حتى يصعب علينا أحياناً أن نفرق بين الفقهاء وبين المثقفين والعلماء، وقد تمكن هؤلاء في ظل الدولة العباسية من تكوين فئة خاصة لها وضعها المتميز في المجتمع. وهو وضع كان يدر عليها منافع عديدة، حتى كادوا أن يستأثروا بأهم الوظائف في الدولة. وهكذا وجدت إشكالية في تاريخ الثقافة العربية وهي التداخل بين تعريف العلماء وتعريف الفقهاء، وبين الخاصة والعامة، وفيما إذا كانت فئة الفقهاء هي التي تمثل المثقفين.

يقول حسان لشهب في مجال علاقة علماء الدين بالسلطة أنه عادة ما نميل إلى اعتبار علماء الدين جزءا من السلطة (وعاظ السلاطين) ولكن هناك من علماء الدين من كان له رأي مخالف للسلطة ووصل معها إلى حد المصادمة (الحسن البصري، ابن حنبل، ابن تيمية، وغيرهم) وإذا كان بعض العلماء قد ارتبطوا بالسلطة فذلك كان بهدف كسب الامتيازات أو الحصول على تكريم السلاطين، أو اعتبار العلم حرفة يرتزقون منها.

وعلى أي حال، وكما هو الشأن في جميع القضايا التي لها أبعاد سياسية، فإن كلام هؤلاء الفقهاء لم يكن خطاباً مرسلاً (غير ملتزم بقضية) كما يقول محمد عابد الجابري، ولا كان خطاباً لاهوتياً أو ميتافيزيقياً، بل كان خطاباً دينياً ذا مضمون سياسي، وهذا هو معنى تسمية علم الكلام في القرن الرابع الهجري. حيث كان هناك تمييز واضح بين الفقه وبين الكلام، فالفقه تقرير استنباطي لأحكام الشرع في العبادات والمعاملات أما الكلام فهو تقرير لرأي شخصي في قضايا الأمة والمجتمع.