إلى أين تمضي الانتخابات الرئاسية الأميركية 2012؟ وهل هي انتخابات مميزة ومختلفة عن بقية الانتخابات الرئاسية في السنوات الماضية؟ المؤكد أن حظوظ باراك أوباما مهزوزة، حيث أشار آخر استطلاعات الرأي لتدني شعبيته إلى أدنى درجة منذ ثلاث سنوات، وإن لم يعن ذلك القول بخسارته للانتخابات الرئاسية بشكل مؤكد.
والشاهد أن الخسارة التي مني بها الديمقراطيون في انتخابات الكونغرس في نيويورك منتصف الشهر الماضي، كانت بمثابة جرس الإنذار لما يمكن أن يحل لاحقاً بساكن البيت الأبيض، وكأن الناخبين الساخطين من الطريقة التي تعامل بها الرئيس أوباما مع المشكلات الاقتصادية، قد اختاروا مرشحاً جمهورياً من أعضاء حركة حفل الشاي، في واحدة من الدوائر التي عرفت بهيمنة الديمقراطيين منذ تسعة عقود.
وإذا كان من المقطوع به أن الأوضاع الاقتصادية الأميركية الداخلية، هي من أهم العوامل والمحددات التي تؤثر على انتخابات أي رئيس أميركي، إلا أن بعداً آخر بات يطرح نفسه الآن، يتعلق بسياسات أميركا الخارجية، ومدى توفيرها الأمن والأمان للمواطن الأميركي، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر قائمة في الخلفية الذهنية الجمعية لكل الأميركيين، كما أن التطورات المتلاحقة، لما يطلق عليه ربيع الثورات الشعبية العربية، مضافاً إلى استحقاقات مواعيد الانسحابات أو تخفيض القوات الأميركية في كل من العراق وأفغانستان، تجعل السياسة الخارجية الأميركية في منطقة الوطن العربي وكيفية تعاطي الإدارة الأميركية معها، تحتل موقعاً مؤثراً وكبيراً في مصير الانتخابات.
والواقع أن المطلع على الأوراق الصادرة من مراكز الأبحاث والفكر الأميركية في الأشهر القليلة الفائتة، يستطيع أن يدرك بسهولة ويسر تشابك قضايا عدة بين قرارات وتوجهات أوباما، لجهة السياسة الخارجية، مع هجومات متوقعة من قبل الجمهوريين. ويمكن من دون تطويل ممل، اختصارها في عدة نقاط، من أهمها:
* أنه ستتم محاولة تصوير أوباما على أنه رئيس ضعيف عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، وأن نقص الخبرة لديه في هذا الميدان هو أحد الأسباب الرئيسية لارتباك السياسة الأميركية وفشلها.
* سيتم اتهامه بعدم الحسم والحزم في سياسته تجاه إيران، وبأنه يسهم في جعل إيران قادرة على امتلاك السلاح النووي.
* سيتم توجيه الانتقادات له بأنه لم يساند إسرائيل بما يكفي، وأنه لم يمارس ضغوطاً كافية على الأطراف العربية والفلسطينيين، لتسهيل تحقيق تسوية تخدم مصالح أميركا وإسرائيل.
* سيتم انتقاده على موقفه من الوضع في ليبيا، وتردده في الإسهام النشط عسكرياً وأمنياً في إسقاط نظام القذافي.
* سيتم توجيه الانتقادات له بأنه لم يتعامل بحكمة وشجاعة مع انتفاضات الشعوب العربية، مما أدى إلى خسارة أميركا للمزيد من حلفائها، وإلى ازدياد حالة العداء ضد الولايات المتحدة.
* سيواجه أوباما نقمة كبيرة من الجناح اليساري داخل الحزب الديمقراطي، وكذلك من الناخبين المستقلين الذين سيتهمونه بأنه خذلهم وتابع سياسة بوش الابن، في ما يتعلق بالعراق وأفغانستان.
ولعله يحق للمراقب والمحلل للشؤون الأميركية، أن يتساءل هل استطاع أوباما أن يغير الولايات المتحدة وسياستها أم أن واشنطن عاصمة العالم السياسية هي التي غيرت أوباما بالفعل؟
عند جستين لوغان من مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، فإنه "لطالما أصر أوباما على أنه يريد إعادة توجيه الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي الابتعاد عن مشاريع بناء الأوطان في العالم الإسلامي والتوجه نحو آسيا، كما أنه شدد على رغبته في تقليص حجم الإنفاق العسكري، لكن إذا ما دام بترايوس يرأس وكالة الاستخبارات المركزية، وما دام قد أصبح بانيتا وزيراً للدفاع، فلن يتحقق أي من أي طموحات أوباما تلك"...
ماذا تعني تلك التعيينات؟
عملياً، تشير إلى أن أوباما يعتبر السياسة الخارجية أداة للسياسة الداخلية في المقام الأول، بمعنى أنها تقدم له فرصة إلقاء خطابات قوية عن التحول المفصلي الهائل في مسار التاريخ، وعن رأيه في دور الولايات المتحدة وسط هذه التحولات.
في هذا الإطار اشتكى زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، من أن "أوباما لا يجيد تنظيم الاستراتيجيات، بل إنه يكتفي بإلقاء العظات، فلم يظهر أوباما ميلاً كبيراً إلى تغيير النظام القائم في واشنطن وضخ أفكار جديدة في محيطه".
ويبقى القول قبل الانصراف، ان أوباما لم يقدر له أن يغير أميركا، ذلك أن الرئيس هو مجرد قمة الهرم الهيراركي الأميركي صورياً، لكن العناصر الفاعلة الحقيقية على الصعيد الأميركي، هي تلك التي تعمل على الأرض وربما تحتها، من خلال المجمعات المالية والعسكرية والعقائدية، والتي لها مصالح استراتيجية، تتجاوز مثاليات ويوتوبيات أوباما.
أما الفيصل والحكم هنا، فهو رجل الشارع الأميركي الذي سيحسم الانتخابات الرئاسية، إما بالوقوف إلى جانب أوباما وتحمل أعباء الأزمات الاقتصادية والمضي قدماً في طريق تحقيق أجندات الإصلاح الطويلة داخلياً وخارجياً، وهو أمر غير مرجح في حقيقة الأمر. وإما الانضمام إلى فريق الصقور من الجمهوريين، الذين يعتبرون أوباما رئيساً حالماً، وطئت أقدامه البيت الأبيض، في حين بقيت طهرانيته غير المؤدلجة، بعيدة عن واقع عالم السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً.