حين يبدأ زعماء أمة ما في الحديث بمناسبة ومن دون مناسبة عن عظمة بلادهم، فاعلم عزيزي القارئ أن تلك الأمة في طريقها للتراجع. وهو تراجع يدركه جيدا أولئك الزعماء، ولكنهم يسعون لإخفائه عن الشعب، أو على أقل تقدير التخفيف من وطأته عليه، خصوصا إذا كان هذا التراجع شاملا.

وأوباما هذه الأيام لا يكف عن الحديث عن عظمة أمريكا وأهميتها للعالم، وهو يستخدم في ذلك خطابا لا يختلف كثيرا عن خطاب خصومه الجمهوريين.

والرئيس الأمريكي لا يمكنه بالقطع إخفاء التراجع الاقتصادي، فالمواطن العادي يلمسه بنفسه. لذلك فإن الحديث عن "عظمة" أمريكا، يتركز هذه الأيام على الثقافة والقيم من ناحية، والنفوذ العالمي من ناحية أخرى، رغم أن الولايات المتحدة تعاني انحسارا في الاثنين. فهي فقدت الكثير من مصداقيتها على المستوى القيمي، بموجب مغامراتها العسكرية وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، أما نفوذها العالمي فيعاني من انحسار مستمر، حتى أنها في أحيان كثيرة صارت معزولة أو عاجزة عن ممارسة أي نفوذ، كما اتضح في تصويت اليونسكو بشأن فلسطين. لكن الساسة الأمريكيين ينجحون في إقناع الأمريكيين بعكس ذلك.

فلأن غالبية الأمريكيين نادرا ما يتابعون ما يجري في العالم، ناهيك عما تقوم به حكومتهم في الخارج، فإن رسم صور ذهنية مغايرة للواقع ليس صعبا. ولأن الجيش الأمريكي جيش تطوعي، فإن أعداد الضحايا والقتلى ليست موزعة على كافة قطاعات الشعب الأمريكي. فالذين يتطوعون في الجيش في غالبيتهم من الفقراء أو أبناء الأقليات الأقل حظا، والذين يتطوعون للحصول على مزايا مختلفة تضمن لهم معيشة كريمة، لا يمكنهم الحصول عليها من خلال الوظائف الأخرى. وهذا العامل يساعد هو الآخر على أن يظل ما تفعله أمريكا في الخارج، غائبا عن الأغلبية من الأمريكيين.

ويمكنك بالفعل أن تعيش في الولايات المتحدة في الوقت الراهن، ولا تعرف أصلا من وسائل الإعلام أن أمريكا قد هزمت في العراق، وأن نفوذها في الشرق الأوسط في انحسار لا في صعود.

فما يعرفه الأمريكيون هو أن بلادهم ستنسحب من العراق بالكامل في نهاية هذا العام (وهم لا يعرفون بالمناسبة أن 16 ألفا سيبقون في العراق كدبلوماسيين أو مستشارين عسكريين أو رجال أمن). وهم يعرفون أنها ستنسحب لأنها أدت مهمتها ولم يعد هناك مبرر لبقائها، لا لأنها هزمت وستخرج جريحة تنزف ماديا وبشريا. فعدد القتلى الأمريكيين في العراق يتجاوز الخمسة آلاف جندى فضلا عن عشرات الآلاف من الجرحى.

ورغم أن الأرقام الرسمية الأمريكية تقول إن تكلفة غزو العراق واحتلاله وصلت إلى 700 مليار دولار تقريبا، إلا أن عالم الاقتصاد الشهير جوزيف ستيجلز قال يقدر تكلفة الاحتلال بثلاثة تريليونات دولار. وهو الاحتلال الذي دمر العراق وراح ضحيته ما يزيد عن المليون عراقي فضلا عن الملايين التي تم تهجيرها من العراقيين بينما تم تهجير الملايين منهم.

لكن دولة الاحتلال الذي قام على مبررات ملفقة ودمر بلدا عظيما، لا يزال "المجتمع الدولي" يقف منها موقفا بالغ التخاذل، فلم يحاسب دوليا أي من المسؤولين عن تدمير العراق وتشريد أبنائه. وفي أمريكا أيضا لم تتم محاسبة من دفعوا بلادهم دفعا نحو تلك المغامرة الكارثية، فتسببوا في مقتل آلاف الأمريكيين واستنزاف الخزانة الأمريكية، وانهيار مصداقية الولايات المتحدة في العالم.

وغياب المحاسبة مسألة بالغة الخطورة، فهي لا علاقة لها بالمرة بالرغبة في الانتقام، وإنما ترتبط ارتباطا وثيقا بالمستقبل. فعلى المستوى الدولي، فإن غياب المحاسبة يمثل سابقة خطيرة تسمح بتكرارها. فهي حالة دولة اعتبرت نفسها فوق القانون الدولي، فاحتلت بلدا بلا أي مبرر يقبله القانون الدولي.

أما في الداخل الأمريكي فإن غياب المحاسبة يعني أن أولئك المسؤولين عن تلك الجريمة، طلقاء يبثون أفكارهم المسمومة بكل حرية، بل بإمكانهم العودة مرة أخرى لسدة صنع القرار. فالمحافظون الجدد الذين كانوا وراء احتلال العراق ـ بل ودعوا في 1996 إسرائيل للقيام بتلك المهمة، ثم وجدوا فرصة ذهبية لقيام أمريكا نفسها بها في الألفية الثالثة ـ لا يزالون على الساحة. صحيح أنهم ليسوا في مواقع صنع القرار، إلا أنهم لا يزالون يحتلون مواقع مهمة في دوائر صنع الرأي والفكر. وهم لم يكفوا لحظة واحدة عن الترويج للمزيد من الأفكار المسمومة، سواء بخصوص القضية الفلسطينية أو الثورات العربية أو بشأن إثارة الفتن بين الشيعة والسنة في عالمنا العربي. وقد أنشأ بعضهم المزيد من مراكز الفكر، لتكون عونا في الترويج لأفكارهم وزيادة نفوذهم.

 بل إن بعض هؤلاء المحافظين الجدد، يمتلكون من الجرأة ما يجعلهم قادرين على إعادة إنتاج أنفسهم من جديد. ففؤاد عجمي الذي كان على رأس الداعين لغزو العراق، يقول اليوم إن المشكلة ليست في أمريكا وإنما في جحود العراقيين ونكرانهم للجميل. وبينما كان فريد زكريا وتوماس فريدمان من أهم مؤيدي الغزو، فإن كليهما اليوم يلبس عباءة الحكمة ويتحدث بثقة عن الأخطاء التي ارتكبت في غزو العراق واحتلاله، وكأنه بريء من كل ما جرى!

غير أن الأخطر من هذا كله، هو أن المحافظين الجدد يلتفون اليوم حول المرشحين الجمهوريين للرئاسة. فبينما أعطى وليام كريستول شهادة صلاحية لبيري بسبب مواقفه الداعمة لإسرائيل، فإن عددا من المحافظين الجدد يلتفون اليوم حول ميت رومني. ولأن رومني، بحسابات اليوم وحتى إشعار آخر، هو الأوفر حظا للفوز بترشيح الحزب ومنافسة أوباما، فإن وصوله للرئاسة يعني عودة المحافظين الجدد للحكم.

لكن هذا كله ما كان من الممكن أن يحدث، لولا غفلة الأمريكيين عن أن بلادهم في تراجع مستمر، وأن المحافظين الجدد مسؤولون مسؤولية مباشرة عن ذلك التراجع.