غالباً ما يضطر المحلل والمتكهن الجيوسياسي، إلى أن يشرح للأميركيين كيف يؤثر حدث ما في إفريقيا أو روسيا أو الصين، بشكل مباشر عليهم والسبب وراء ذلك التأثير. ومن الأحداث التي ينطبق عليها ذلك، الانتخابات الفرنسية الرئاسية المقررة في مايو 2012، والتي اختارت لها المعارضة الاشتراكية لتوها مرشحها فرانسوا هولاند، خلال الجولة النهائية من الانتخابات التمهيدية المفتوحة.

وبالنسبة للغالبية من الناس في أميركا، فإن رد الفعل الفوري على أي حدث يقع في الجانب الآخر من العالم، هو: "لم قد أكترث لما يحدث في فرنسا؟ فالفرنسيون اشتراكيون ومشوشون، ويجب أخذ ذلك بعين الاعتبار". وفي حين أن مثل هذه البراعة في مجال السياسة الخارجية، قد تحظى بشعبية على المستوى المحلي، فهل سيكون حقاً من الذكاء تجاهل الانتخابات التي ستؤثر على كل شيء في حياتكم التي تدفعون ثمنها أو تحتاجون لاقتراض المال من أجلها؟ أرجو أن تتحملوني بينما أقوم بتفسير سبب ذلك التأثير.

لا أحد يعلم بالفعل من سيكون الرئيس الفرنسي في مثل هذا الوقت من العام المقبل. فلم يحدث أن كان الفرنسيون متحمسين لانتخاب مرشح اشتراكي لمنصب الرئاسة منذ فرانسوا ميتران عام 1988، واستطلاعات الرأي تشير بقوة إلى أنهم ليسوا كذلك الآن. ومن المتوقع أن يصوتوا ضد الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي، الذي تروق لهم أفكاره ووعوده، رغم أنها كثيراً ما لا تتحول إلى شيء ملموس. وقد سئم الفرنسيون كذلك من "الأطباق الخزفية" شبه الأسبوعية، وهو الاسم الذي يطلقونه على الفضائح المنتظمة التي تطال حاشية ساركوزي.

 ولكن يبدو أنهم لا يريدون كذلك قائدة الجبهة الوطنية مارين لوبن، وهي قومية واشتراكية مناصرة لتدخل الحكومة في شؤون مواطنيها، صرحت بأن الرئيس الأميركي باراك أوباما أكثر يمينية منها، وكشف برنامجها تدريجياً عن نفورها من مبادئ السوق الحرة. وفي ما يتعلق بمشكلات العالم، فإن لوبن تلقي باللوم على الرأسمالية بدلاً من تدخل الحكومة المفرط، وتعتقد أن الحل هو المزيد من التدخل الحكومي. ويترك ذلك الاشتراكيين على نحو مفاجئ في موقف البديل المحتمل.

وفي جميع الحالات، فإن مستقبل أوروبا يعتمد على هذه الانتخابات الفرنسية. وتحلم لوبن علانية بتفكك منطقة اليورو، وهو موقف يدعمه عدد كبير من الفرنسيين الذين يبغضون فكرة دفع ثمن شبكات الضمان الاجتماعي الخاصة بالدول الأخرى، في حين يريد كل من الاشتراكيين وحزب ساركوزي "الاتحاد من أجل حركة شعبية" إرادة سياسية محضة تعيد لأوروبا تماسكها، في الوقت الذي تنحرف في اتجاه الإفلاس الجماعي بسرعة تفوق سرعة الصوت، أي أن تتطاير الأموال من الجيوب الممتلئة إلى الجيوب الفارغة.

وبصرف النظر عمن سيتم انتخابه في فرنسا، فإن منطقة اليورو معرضة لخطر التفكك، وإن لم يكن ذلك بسبب مشيئة لوبن المعلنة، فإنه سينجم افتراضياً عما يعانيه الحزبان الآخران من جهل أعمى. وفي نهاية المطاف، سيكون المحركان الاقتصاديان في أوروبا، وهما فرنسا وألمانيا، اللذان يمثلان 40% من قوتها الاقتصادية، قد نقبا في المكان واستنفدا كامل الفكة التي عثرا عليها بين وسائد الأريكة، إذ تفوق سرعة انحدار اليونان والدول الأخرى نحو الإفلاس، سرعة إنتاج الفرنسيين والألمان.

ولإيجاد حل لهذا المأزق، لا بد من تقليل الإنفاق أو زيادة الإنتاج. ولأن تقليل الإنفاق لا يبدو أمراً محتملاً، فإنه من المنطقي أن تتم زيادة الإنتاج. وهذا يعني فرض ضرائب استيراد على المنتجات المقبلة من الصين، لجعلها في مستوى المنافسة مع السلع المنتجة محلياً، وخفض تكاليف الاتحاد التي تؤدي إلى رفع الأسعار، وتخفيض الضرائب على المنتجين الفرنسيين لمنعهم من الاستعانة بمصادر خارجية. هل تعتقدون أن ذلك سيكون أمراً سهلاً؟ أعيدوا التفكير، فما هو أكبر سوق تصدير للصين؟ أوروبا.

ومن يشتري سندات الدين الأوروبية بهدف ضمان استمرار المستهلكين الأوروبيين في الحصول على المنتجات التقليدية التي كتب عليها "صنع في الصين"؟ هذا صحيح، الصين. ولأن الأجور منخفضة للغاية، فإن الصين ليس لديها بالتأكيد مكان آخر يتمتع بذلك النوع من الاقتصاد الاستهلاكي المحلي الذي تتمتع به أوروبا. وبالتالي فإن الصين تستعين بأوروبا في ما يتعلق بالاستهلاك، وأوروبا تستعين بالصين في ما يتعلق بالإنتاج. وهي علاقة تكافلية للبقاء على قيد الحياة.

فهل لا تزال أوروبا موجودة بصفتها أوروبا، بالنظر إلى كون الصين مساهماً رئيسياً يمسك بزمام الأمور؟ وأين يترك ذلك أميركا؟ إنه يتدنى بها إلى مرتبة الخليلة، مع قيام الصين بشراء سندات دين أميركية أقل لصالح تمكين أوروبا. وهذا يعني قدراً أقل من الأموال المتوافرة في أنحاء أميركا، لشراء تلك الأرجوحة صينية الصنع من متاجر وول مارت.. كش ملك.