لا شك أن الاستثمار الجيد للتاريخ وتوظيفه لخدمة أغراض التوعية والتنمية المجتمعية لهو غاية سامية تخدم المجتمع على المديين القصير والطويل. وأتذكر قبل عقدين وأكثر عندما كنا نتابع برنامج «حدث في مثل هذا اليوم» والذي يقدم لنا بالصوت والصورة لمحة تاريخية سريعة عن حدث أو شخصية مهمة أثرت في تاريخنا وأثرته فتترك لنا تلك اللمحة أثراً جيداً ورغبة أكبر في معرفة المزيد عن ذلك الحدث أو تلك الشخصية تقودنا إلى القراءة والبحث والاستقصاء فيحقق البرنامج ما يهدف إليه وهو التثقيف والتوعية معاً.

هكذا يقودنا التاريخ للمعرفة والاستقصاء وهكذا يمكن توظيف الأرشيف التاريخي للتعريف والتوعية وللعبرة أو للفخر بمنجزات الأجداد والآباء وبتاريخنا العريق ومساهمته الكبيرة في خدمة البشرية جمعاء.

وخيراً فعلت بعض قنواتنا المحلية. فبمناسبة الذكرى الأربعين لقيام الاتحاد وظفت بعض القنوات أرشيفها التاريخي المصور لغايات عديدة منها دعم الولاء والانتماء للوطن والفخر بمنجزات الآباء والأجداد ومنها التثقيف والتوعية ومنها أيضاً الآخر بأن اتحادنا لم يولد بالصدفة وإنما وقفت وراءه إرادة صلبة وقوية لمؤسسي الاتحاد الأوائل ذللت كل صعب وسخرت كل جهد، وواصلت الليل بالنهار ليخرج الاتحاد قوياً شامخاً.

ولا شك أن لهذا التوظيف أهدافاً وطنية آنية وله أيضاً نتائج بعيدة المدى. فإحدى أهم غاياته الآنية هي التوعية والتثقيف وخاصة بالنسبة لهؤلاء الذين لم يعاصروا قيام الاتحاد ولا يعرفون إلا أقل القليل عنه، كما أنهم لا يعرفون الجهود التي قام بها الرعيل الأول لوضع اللبنات الأولى للاتحاد. غاية أخرى مهمة وهي توعية الأجيال الشابة بتاريخ دولتهم والمراحل التي مرت بها وأهم الصعاب التي نجحت الدولة في اجتيازها لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم من رفعة وتقدم ورقي في كافة المجالات.

فالجيل الشاب الذي ولد في حضن الاتحاد وتنعم بدفئه لا يعرف إلا الرخاء ولم يشهد الفترات الصعبة التي عاشها الأجداد والآباء والذين أرادوا بقيام الاتحاد تجنيب الأجيال الجديدة من مجتمع متفكك سياسياً وبالتالي اجتماعياً واقتصادياً.

فقيمة البرامج التاريخية التي تبثها المحطات التلفزيونية المحلية والمستقاة من أرشيفها الوطني هي قيمة معنوية ومادية كبيرة. فالأجيال الشابة والتي لم تعايش تلك الفترات لا تعرف إلا أقل القليل عن تاريخ دولتها. وكما تساهم تلك البرامج في التوعية تساهم كذلك في بث جرعة قوية من الفخر بمنجزات الاتحاد وتعرفهم بجهود الآباء المؤسسين من قادة وحكام عملوا جهدهم لكي تتحول فكرة الاتحاد من مجرد حلم إلى واقع معاش. قيمة أخرى تعمل تلك البرامج على تفعيلها إلا وهي إلقاء الضوء على بعض أعلام الإمارات من مواطنين ورواد لعبوا دوراً مهماً في قيادة دفة السفينة الكبيرة لتصل إلى بر الأمان.

فأهم نتيجة يجب أن نتوصل إليها، وخاصة الجيل الشاب، أن الرفاه والخير والعز الذي ترفل فيه دولتنا اليوم لم يأتي من فراغ بل أتي نتيجة جهد وتعب وتخطيط عبقري قام به الآباء المؤسسون وأبناء الوطن الصالحون والذين عملوا يداً بيد لكي تصل دولتنا اليوم إلى ما وصلت إليه من سبق عالمي في الكثير من المجالات.

وقد أثبتت الدراسات العلمية أن هناك ارتباطاً قوياً ووثيقاً بين ما يستقيه الإنسان من تاريخ وطنه وبين الانتماء والولاء لذلك الوطن. ولذا أصبح التاريخ مصدراً مهماً ليس فقط لمعرفة الماضي والتبصر فيه ولكن لبناء الحاضر والتخطيط للمستقبل. وصدق زايد حين قال بأن من لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل.

لقد نجحت السياسة الإعلامية للإمارات جيداً في توظيف التاريخ في خدمة أغراض التوعية ليست فقط بين المواطنين والشباب على وجه التحديد ولكن لتوعية الآخر بأن دولة الإمارات ليست نتاج نفط ومنتجعات سياحية رائعة وأسواق مليئة بالبضائع العالمية، ولكن الإمارات، هي نتاج جهد وعمل دؤوب، قام به الآباء والأجداد، لرفع صيت الإمارات عالياً في كافة المحافل الدولية. لقد نجحت الإمارات جيداً في استخدام أرشيفها الإعلامي في التوعية وفي بث جرعة قوية من الفخر بمنجزات الاتحاد بين الأجيال الجديدة والتي لا شك بأنها تبحث عن هويتها وقد بان ذلك بوضوح في أعلام الاتحاد والتي بدأت ترفرف على أسطح المنازل ومن النوافذ منذ بدأت الاحتفالات بالذكرى الأربعين.

هذه المناسبات الوطنية هي فرصة لإعلامنا لكي يكثف من الجرعة التاريخية المستقاة من أرشيفه الوطني. فعوضاً من أن يكون هذا الأرشيف مركوناً على الرفوف يستغل جيداً لخدمة غرضين مهمين وهما: التوعية، وإظهار للهوية الوطنية. لقد أصبح الجيل الجديد يعرف بعض المعلومات عن مؤسسي الاتحاد، كما يعرف بعض المحطات المهمة التي مرت بها الدولة. وعلى الرغم من أن هذه المعلومات قد تكون موجودة في بطن الكتب والمناهج الدراسية إلا أن تقديمها بهذه الطريقة السلسة والبسيطة بالصوت والصورة هي وسيلة سهلة ومريحة للمعرفة .

إعلامنا يجب أن تكون له رسالة هادفة، ولا شك بأنه استفاد كثيراً من الدروس السابقة. لذا يمكن القول بأنه قد نجح في توظيف التاريخ المعاصر لدولتنا في بث جرعة قوية من الفخر بمنجزات الاتحاد بين الجيل الجديد. مهمة أخرى نجح فيها إعلامنا ألا وهي توعية الآخر بمنجزات الاتحاد وهي مهمة صعبة ولكن إعلامنا نجح أخيراً في تحقيقها.

فهناك الكثيرون ممن يعيشون بيننا ولكنهم لا يعرفون إلا أقل القليل عن تاريخنا المعاصر. كما أن هناك الكثيرين منا لا يعرفون أهم المحطات التي مرت فيها الدولة ولا جهودها الإنسانية والخارجية في مساعدة المحتاج والملهوف. كل ذلك نجحت هذه البرامج في تحقيقه وفي إعطاء المتابع لها لمحة تاريخية مبسطة أغنته عن الرجوع إلى مصادر تاريخية عديدة. هذا ما يمكن أن نسميه التوظيف الإعلامي الجيد للتاريخ.