تضيع الفرصة عندما لا يتخذ صاحب العلاقة ـ سواء كان فرداً أم جماعة أم حكومة أم قيادة ـ قراراً كاملاً شاملاً صالحاً لحل المشكلة المطروحة في الوقت المناسب، حيث الشروط الموضوعية للوصول إلى هذا الحل متوفرة، إلا أن تردد صاحب القرار وتأجيله يؤدي إلى ضياع هذه الفرصة، رغم أنها تكون فرصة إيجابية وثمينة لو اتخذ القرار في الوقت المناسب.

 وعادة ما يعود عدم اتخاذ مثل هذا القرار لأسباب ذاتية، تنم عن شخصانية صاحب القرار وذاتيته بل ونرجسيته، فضلاً عن عدم رؤيته الشروط المحيطة بالموضوع واللازمة لمعالجته. وغالباً ما يعود صاحب القرار نفسه إلى اتخاذ قرارات لاحقة مستدركة لكنها تبقى ضائعة. لأنه لا يفيد عندها لا العودة إلى قرارات تأخر اتخاذها ولا الندم على ما ضاع عندما لا ينفع الندم.

تزداد إضاعة الفرص عادة عندما يكون صاحب القرار فرداً متحكماً بالقرار، أو حاكماً مطلق الصلاحية، أو قائداً لنظام شمولي، حيث لا يوجد في هذه الحالات كلها مراكز دراسات تستشار وتحيط بالقرار وظروفه وترسم ملامح رؤية لحله. وإذا لم تتوفر مثل مراكز الدراسات هذه مع شروط أخرى تتعلق بديمقراطية اتخاذ القرار والتشاور وحرية إبداء الرأي، يبقى القرار مبتسراً وخاطئاً وتكون فرص الحل من خلاله أقرب إلى الضياع، كما يكون قراراً ينم عن مقرر صلف متحكم نرجسي غير قادر على امتلاك الرؤية الشاملة أو اتخاذ القرار الصائب.

عندما يؤثر ضياع الفرصة سلباً على بضعة أفراد أو مجموعات صغيرة، يهون أمره بسبب قلة أضراره، أما إذا كان هذا القرار يتعلق بحدث كبير سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يهم شعباً أو مجموعة شعوب أو فئة واسعة من الشعب أو طبقة أو شريحة كبيرة، فإن الأمر يكون عندها أقرب إلى الخسارة الفادحة والكارثة المجتمعية أو الوطنية.

ولا يفيد عادة الأسف اللاحق أو النقد الذاتي المتعلق بضياع الفرصة أو الصحوة اللاحقة بعد إدراك الخطأ، كما لا تفيد محاولات الاستدراك المستعجلة والمتعجلة، لأنها تصبح خارج زمانها ومكانها ومحاولة عرجاء متهافتة لمعالجة خطأ حصل.

تكون الخسائر أكبر بكثير عند استدراك الفرصة الضائعة قياساً لما كانت عليه الخسائر لو اتخذ القرار في حينه، والمشكلة أن صاحب القرار لا يدرك أو لا يرى أن هذه الخسارة ستتضاعف مرات عديدة بعد ضياع الفرصة وذهابها أدراج الرياح.

نلاحظ زيادة عدد الفرص الضائعة أثناء الحروب، سواء بالقرارات المتعلقة بمعركة فاصلة أم بحل سلمي (هدنة أو صلح) ذلك لأن صاحب القرار يكون في المعارك متوتراً أو مغروراً أو صلفاً يخلط أحياناً الرئيسي بالثانوي، بسبب شدة المعارك وعنفها وحراجة الموقف تجاهها وخطورة القرارات المتخذة.

ولذلك نجد كثيراً من القادة العسكريين يميلون إلى الحذر الشديد نظراً لخطورة قراراتهم، لأنهم يرون أن تأجيلها أحياناً يكون أقل خطورة من اتخاذها، ويقول العسكريون بهذا المجال إننا إذا درسنا تاريخ الحرب العالمية الثانية سنجد عديداً من الفرص التي أضاعها هتلر بسبب قيادته المتفردة، وعدم اعتماده على استشارة القادة الآخرين، واستخفافه باقتراحات كثير من قادة جيشه ونرجسيته الطاغية، حيث كان يعتقد أنه ملهم وصاحب رؤية ونادر الأخطاء.

وقد تبدى ذلك في تقديره الخاطئ لموعد ومكان هجوم الحلفاء المعاكس، وفيما بعد، في إعداد الخطة لمواجهة هذا الهجوم بعد نزول الجيوش على الأراضي الأوروبية. كما يشير العسكريون إلى فرص أضاعها القادة السياسيون والعسكريون العرب خلال حربي 1967 و1973 إما بسبب أن السياسيين كانوا يتخذون القرار دون الاهتمام برأي العسكريين، أو بسبب نقص المعلومات المتوفرة لدى قيادات الجيوش، أو بسبب التحليل السياسي والعسكري الذاتي، أو قصر النظر والرؤية لديهم، أو أخيراً بسبب خوف العسكريين من القادة السياسيين فيما إذا اتخذوا قراراً جدياً وشاملاً وفشل، ذلك لضعف هامش الحرية المسموح لهم في اتخاذ قراراتهم أو لضعف العلاقات الديمقراطية بينهم ومع رؤسائهم.

كما يشيرون إلى إضاعة القادة الإسرائيليين أيضاً فرصاً في حرب 73، حيث اغتروا بمعلوماتهم أو بمواقفهم أو أفكارهم المسبقة، مما أدى إلى خسارتهم في هذه الحرب التي لولا الفرص التي أضاعها السياسيون والعسكريون العرب لكانت حرباً قاضية على التفوق الإسرائيلي بكامله، وربما اضطرها ذلك إلى الانسحاب الشامل من الأراضي العربية المحتلة. وأخيراً يشيرون إلى استغلال أرييل شارون الفرصة في اجتياز قناة السويس نحو الغرب ومباغتة الجيش المصري الثالث، ورغم أن تصرف شارون كان مغامرة إلا أنه لو لم يتخذ قراره لضاعت فرصة كبيرة على الجيش الإسرائيلي.

وفي الخلاصة يمكن القول إن الفرص الضائعة تنم إما عن ذاتية وصلف لدى صاحب القرار، أو عدم استشارة الجهات المعنية أو الاستخفاف بمراكز الدراسات أو عدم وجود هذه المراكز أصلاً، فضلاً عن ضعف العلاقات الديمقراطية بين الرؤساء والمرؤوسين في القيادات الدنيا والعليا، وهذا يفسر ضياع الفرص في الأنظمة الشمولية والقرارات الفردية، عنه في الأنظمة الديمقراطية والقرارات الجماعية، وفي الحالات كلها لا تنفع محاولات الاستدراك اللاحقة والمتعجلة لأنها فاقدة الشروط الموضوعية وبالتالي لا تسد الحاجة.