عندما يلاحظ أي زائر للولايات المتحدة، المدى الذي بلغته ظاهرة "المجتمع الاستهلاكي" (والتي حاولت وصفها في مقال سابق)، قد يسأل هذا الزائر نفسه: هل هناك من له مصلحة قوية في انشغال الناس بالاستهلاك لهذه الدرجة، في كل ساعة من ساعات النهار والليل، حتى لا يكاد أن يوجد موضوع للحديث أو لشغل صفحات الجرائد أو شاشات التليفزيون أو حوائط المباني في الشوارع، بل وفي سيل الخطابات التي يحملها البريد والمكالمات التليفونية.. الخ.
إلا تفضيل استهلاك سلعة على أخرى أو صنف على صنف أو الإشادة بأهمية هذه السلعة أو الخدمة في جلب السعادة للنفوس والراحة للأجسام.. الخ؟ مصلحة المنتجين والبائعين واضحة ومعروفة، ولكن هل هناك غير هؤلاء؟ كل منتج له مصلحة في أن تروج سلعته وكذلك البائعون، ولكن هل هناك من له مصلحة في أن يقوى وينتشر ما يسمى "ثقافة المجتمع الاستهلاكي"؛ أي أن يرى الناس في زيادة الاستهلاك الهدف الأسمى أو الوحيد للحياة؟
لقد أدى انتشار ثقافة المجتمع الاستهلاكي، ليس فقط إلى تضخم الأرباح، ولكن أيضا إلى قلة اهتمام الأمريكيين عموما بالسياسة، إلا ما يتعلق منها بأشياء صغيرة جدا، تصبّ في النهاية في تأثيرها في مستوى الدخل والاستهلاك. لقد أصبح ما يشغل الناس في أمريكا أثناء الحملات الانتخابية، هو فروق تافهة جدا بين حزب وآخر أو بين مرشح للرئاسة ومرشح آخر، بينما فقد معظمهم أي اهتمام بالسياسة الخارجية، إلا ما يتعلق منها بما يسمى الدفاع عن "النمط الأمريكي في الحياة" ضد اعتداءات الإرهابيين وأمثالهم. وعندما يتساءل المرء عن المقصود بـ"النمط الأمريكي في الحياة"، لا يكاد يجد شيئا غير "ثقافة المجتمع الاستهلاكي".
من المؤكد أن هذا الانشغال بالاستهلاك يسمح للسياسيين بأن يمرحوا على هواهم، في تحديد مواقف أمريكا من العالم أو في زيادة إنتاج السلاح وتسويقه، بل وفي إشعال حرب هنا أو انقلاب هناك لتحقيق أهداف تتعلق في النهاية بزيادة الأرباح. ولكن هناك سؤال آخر: عندما تتضخم طموحات الناس الاستهلاكية إلى هذا الحد، وتصبح مع مرور الوقت أكثر فأكثر تفاهة وأبعد ثم أبعد عن تحقيق حاجات الإنسان الأساسية، بل تتجه إلى إشباع مطالب خلقها المنتجون خلقا ولم تكن لتدور في أذهان المستهلكين لولا الدعاية المستمرة لها، فإلى أي حد يجوز الحديث عن "ارتفاع مستوى المعيشة" أو عن المقارنة بين مستوى الرفاهية في الدول عالية الدخل والدول منخفضة الدخل، والتي تسمى أحيانا بـ"النامية" أو حتى "المتخلفة"؟
إن من المفهوم عقد مقارنة بين شخص يشبع حاجته هو وأسرته إلى استهلاك اللحم أو الفاكهة، مثلا، وآخر لا يستطيع ذلك، واعتبار الأول أكثر رفاهية من الثاني، ولكن إلى أي مدى تجوز المقارنة إذا تعلق الفارق بحجم السيارة أو بماركة الملابس أو بعدد زجاجات الكوكاكولا المستهلكة خلال العام؟ بل قد يصل إلى حد الشك في أن كثيرا جدا مما يعتبر "زيادة في الدخل"، لا يتضمن أي زيادة في الرفاهية على الإطلاق!
قرأت مؤخرا في كتاب حديث لاقتصادي أمريكي مرموق، رقما مذهلا عن المبلغ الذي ينفقه الأمريكيون على سلع وخدمات تتعلق بالنوم؛ من سلع تقلل مما يصل إلى الأذن من ضوضاء، إلى حشايا للسرير تجعل النوم أقرب وأسرع، إلى الأوفر، والمهدئات المعالجة للأرق.. الخ، هذا الرقم هو 23.9 مليار دولار في عام 2007، وهو ضعف ما أنفقه الأمريكيون لنفس الغرض قبل ذلك بعشر سنوات. فهل يستطيع أي عاقل أن يزعم أن ما يحصل عليه شخص من النوم في دولة تعتبر فقيرة أو متخلفة بعد ساعات طويلة من العمل المرهق، ولكن دون حاجة إلى استخدام أي دواء مهدئ أو منوم أو حتى حشية مريحة، يجلب رفاهية أقل من الشخص الذي لا يستطيع النوم إلا باستخدام هذه السلع؟
خطرت في ذهني هذه الأفكار والتساؤلات أثناء زيارة حديثة للولايات المتحدة، وأنا أشاهد أمثلة متتالية للانهماك بجدية تامة في إشباع حاجات غير ضرورية، بل في تلبية طلبات لم تكن لتدور في الذهن أصلا في ظل "حياة طبيعية". كما مرّ في ذهني الخاطر الآتي: إن كثيرا من مظاهر الحياة الحديثة يبدو وكأنه أقرب إلى الانهماك في لعبة كبيرة، ولكن دون أن يدرك المنهمكون فيها أنها ليست في الحقيقة أكثر من لعبة، ومن ثم ينشغلون بها في جدية تامة وكأن الأمر أصبح مسألة حياة أو موت. إن ما ينفق مثلا من جهد ومال على تنظيم المرور في مدينة كبيرة يصل إلى مبالغ مذهلة، ولكنك إذا تساءلت عما خرج من أجله أصحاب كل هذه السيارات، تجد في النهاية أن الخروج كان من أجل استهلاك أشياء كان من السهل جدا الاستغناء عنها، أو لإنتاج هذه الأشياء نفسها.
شاهدت منذ سنوات كثيرة فيلما عن حياة ملك كان يحكم انجلترا في أواخر العصور الوسطى. وتضمن الفيلم منظرا يأتي فيه أحد أعوان الملك ليقدم له اختراعا جديدا، يتمثل في طريقة جديدة لتناول الطعام بالملعقة والشوكة والسكين بدلا من استخدام اليد المجردة أو اليدين. قدم هذا الاختراع للملك على أنه طريقة أكثر تحضرا لتناول الطعام. فلما سأل الملك عن الميزة الحقيقية لهذا الاختراع، قيل له إن استخدامه يمنع اتساخ اليد. فلما قال الملك: "و لكن الملعقة والشوكة والسكين سوف تتسخ بدلا من اليد؟"، قيل له إن من الممكن غسلها، فرد الملك بأن اليد أيضا يمكن غسلها..
هل الحضارة الحديثة، إذن، بمثابة الانهماك في لعبة كبيرة؟ أو مجرد طريقة لملء الفراغ الناتج عن زيادة القدرة الإنتاجية، الناتجة بدورها عن استخدام تكنولوجيا أكثر تقدما؟