في الفترة ما بين 3-10 نوفمبر 2011، أتيحت لي الفرصة لزيارة الصين وإلقاء أربع محاضرات، واحدة في جامعة شانغهاي للدراسات الدولية، وثلاث في جامعات بكين، بالإضافة إلى حوار مع تلفزيون الصين المركزي باللغة العربية. وقد تناولت فيها مسيرة انتفاضات الربيع العربي في العام 2011، وأثرها على مستقبل العلاقات العربية ـ الصينية.
توزعت المحاضرات ضمن لوحة شمولية، حللت الأسباب الداخلية العميقة لكل من تلك الانتفاضات، وأثر الأوضاع الإقليمية في تطورها ومحاولة التأثير على مساراتها، ودور القوى الشبابية والشعبية في تحصين بعضها من التدخلات الخارجية، والأهداف الاستراتيجية لكل منها، على المستويين المحلي والعربي العام، ومحاولات جامعة الدول العربية لتقديم حلول عقلانية لوقف الانحدار نحو الحرب الداخلية، التي أعقبت تفجر الأوضاع في كل من البحرين، وليبيا، واليمن، وسوريا، وبروز نزاع دولي في مجلس الأمن بين الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، بعد استفادة حلف شمالي الأطلسي من القرار الدولي لإسقاط نظام معمر القذافي.
مما نبه الصين وروسيا إلى ضرورة استخدام الفيتو المزدوج، لمنع التدخل العسكري الخارجي الضاغط من أجل إسقاط النظام السوري بكل الوسائل المتاحة داخليا وعربيا ودوليا. هذا بالإضافة إلى التوسع في تحليل أثر تلك الانتفاضات على مستقبل العلاقات العربية ـ الصينية، وكيفية تعامل الأنظمة الجديدة في الدول العربية المنتفضة مع الصين، بعد انتصار قوى التغيير فيها، عبر القوى الذاتية أو بدعم خارجي.
كانت كثافة الحضور في بعض المحاضرات لافتة للنظر من الأساتذة والطلبة، خاصة طلبة الماجستير والدكتوراه، الذين سجلوا ملاحظات كثيرة واستعدوا لحوار طويل ومتشعب، دام لأكثر من ساعتين في كل منها. وعبر المتداخلون عن أفكارهم بحرية تامة، وبلغة عربية سليمة، مع وجود ترجمة عالية المستوى قام بها أساتذة أكاديميون لديهم خبرة واسعة في الترجمة من وإلى العربية والصينية. تمحورت الانتقادات حول موضوعات عدة، أبرزها:
1- طالت الانتقادات بشكل مكثف طبيعة الأنظمة الاستبدادية العربية، وسياستها التعسفية تجاه شعوبها. وغالبا ما كانت المداخلة تنتهي بعبارات التأييد لشباب الانتفاضة، وضروة دعم الصين للشعوب العربية التي من حقها الطبيعي أن تتحرر من أنظمة استبدادية أعاقت تطورها لعقود طويلة.
2- تكرر بصورة واضحة رفض كل أشكال التدخل الخارجي في الشؤون العربية، وأبدى معظم المتداخلين أسفهم لغياب التضامن الداخلي في الدول العربية، المنتفضة منها وغير المنتفضة. وأدان بعضهم عجز جامعة الدول العربية عن تقديم حلول مقبولة من أطراف النزاع الداخلي، فدأبت على إصدار بيانات عقيمة دلت على مواقف متناقضة، تظهر انقسام الدول العربية بين مرحب بالتدخل الخارجي ومتحفظ أو رافض بشدة له.
3- طالت الانتقادات غياب الفكر الاستراتيجي لدى الشباب العربي المنتفض. فقد بذل شباب الانتفاضات تضحيات كبيرة أدت إلى إسقاط النظامين التونسي والمصري، ووقف بشدة ضد أي تدخل خارجي، ومنع تسليم السلطة لعدد من رموز النظام السابق، وطالب بمحاكمة كل من اغتنى من أموال الشعب أو أساء معاملة الشباب المنتفض في كلا البلدين. لكن دور الشباب تراجع كثيرا، منذ بدء المسار الجديد لقيام نظام سياسي ديمقراطي بالاستناد إلى الاستفتاء الشعبي.
فجرت أول انتخابات حرة في تونس بعد نجاح انتفاضتها الشعبية، بصورة شفافة ونزيهة، لكنها دلت على غياب شبه تام للحركة الشبابية، التي لم تنجح في تشكيل أحزاب شبابية تعبر عن طموحات الشعب التونسي. فعادت القوى التقليدية من سلفية، وليبرالية، وعلمانية، ومن جماعة النظام السابق، إلى الواجهة السياسية. وتبحث القوى المنتصرة في البرلمان الجديد عن تحالفات مصلحية، وفق الطرق التقليدية لتتسلم زمام السلطة، دون النظر إلى دور الشباب المنتفض، ومقولات التغيير التي نادى بها عندما أطاح بالنظام السابق، دون أن يبرز دوره الفاعل في بناء النظام السياسي الجديد.
4- دلت بعض المداخلات على أن القوى الشبابية الصينية، تتابع عن كثب مسار الحركة النسائية في الدول العربية المنتفضة. وتساءل بعض المتداخلات عن غياب الدور النسائي في البرلمان التونسي الجديد، علما بأن تونس شهدت إبان حكم الرئيسين بورقيبة وابن علي تبدلات هامة على مستوى حقوق المرأة، جعلتها في طليعة الدول العربية والإسلامية في هذا الجانب. ولعبت القوى النسائية دورا أساسيا في نجاح الانتفاضة، دون أن يظهر دورها في الانتخابات الأخيرة إلا كملحقة بالأحزاب الإسلامية أو الأصولية أو الليبرلية أو اليسارية. وبرزت تساؤلات هامة حول مصير بعض المكتسبات الفردية والجماعية، التي حصلت عليها المرأة التونسية سابقا.
5- تساءل بعض الباحثين عن موقع الأحزاب اليسارية في الدول العربية المنتفضة، وعن موقف الأحزاب الاشتراكية، والشيوعة، والقومية، والوطنية، وغيرها.. مما يجري الآن في تونس ومصر؟ ولماذا خفت صوتها بحيث لم يعد مسموعا بوضوح في جميع الانتفاضات العربية؟ وهل يعتبر الشباب العربي المنتفض أن إيديولوجية تلك الأحزاب قد تجاوزها الزمن؟ فحين تزداد إيديولوجية الأحزاب والحركات الأصولية والسلفية رسوخا على أرض الواقع، تبرز تساؤلات كثيفة حول مستقبل الانتفاضات الشبابية ومصير المكتسبات النسائية، والمسار الديمقراطي نفسه بعد وصول قوى أصولية إلى سدة الحكم، وفق توجه واضح لتطبيق الشريعة الإسلامية.
6- وضعت علامات استفهام كبيرة حول دور بعض القوى المسلحة في إجهاض مسار الانتفاضات الشعبية السلمية التي نجحت في كل من تونس ومصر، لتصبح الانتفاضات أسيرة مخططات خارجية، أميركية وأوروبية وتركية، تحاول رسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، شبيهة باتفاقيات سايكس ـ بيكو المعروفة. فهناك خرائط جديدة تم تحضيرها منذ زمن بعيد، في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، برعاية أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، وعلى حساب الشعوب العربية بكامل دولها وتنظيماتها السياسية.
ختاما، أتيحت لي الفرصة للتعرف مباشرة إلى هواجس الصينيين الشباب، والتي لا تظهر في وسائل الإعلام الرسمية الصينية، لكنها تؤثر حتما على مستقبل العلاقات العربية ـ الصينية. وهناك تخوف من أن تفسر المواقف التي اتخذتها الصين تجاه الانتفاضات العربية، على أنها دعم لأنظمة عربية انهارت تحت ضغط القوى الداخلية أو المدعومة بتدخل عسكري خارجي. وعلى الصين أن تقدم المزيد من المساعدات العينية والتقنية والقروض الميسرة للدول العربية المنتفضة، والحفاظ على علاقات جيدة معها، لأن المستقبل حتما للشعوب العربية المنتفضة.