هل كانت الولايات المتحدة الأميركية سببا مباشرا ورئيسا في ما جرى ويجري في عدد من دول العالم العربي، تحت عنوان براق "الربيع العربي" أو "ربيع الديمقرطيات"؟

تساؤل مثير للشغب الفكري، في ضوء كثير من المعطيات، لا سيما بعدما أشار إليه الكاتب الأميركي الشهير "ديفيد أغناتيوس" من "واشنطن بوست" الأميركية، عن "التعميم الرئاسي" الذي أصدره الرئيس الأميركي باراك أوباما في أغسطس 2010 لجميع الوكالات الأميركية، بالاستنفار استعداداً للتغيير الجذري الذي ستشهده قادمات الأيام في بعض من الأنظمة العربية.

علامة الاستفهام في هذا المقام؛ إذا كان الأمر على هذا النحو، فهل نحن بالفعل أمام جورج بوش آخر لكن من خلال القوة الناعمة وآلياتها، وبعيدا عن فجاجة وكارثية التدخل المباشر عسكريا كان أو سياسيا؟

الجواب في واقع الحال يقتضي الغوص بعيدا في أعماق العقلية الأميركية، الموقنة بأن "أميركا التي هي أكبر أمة في العالم، تمثل قيادتها للعالم حقيقة جبرية، لا لأنها القوة الأعظم فحسب، بل كذلك لأنها الأمة الضرورة، ذات الرسالة الكونية التي تصلح قيمها لتلبية صبوات وحاجات الشعوب قاطبة".

هل كان أوباما في مبتدأ الأمر بعيدا عن المجال الرؤيوي الإمبراطوري هذا؟

حتما، لا. ففي مقاله "تجديد القيادة الأميركية"، في العدد الصادر في تموز/ يوليو 2007 من مجلة الشؤون الخارجية، كان أوباما يؤكد حتمية تجديد القيادة، عبر ما أطلق عليه من قبل البروفيسور جوزيف ناي المنظر الأميركي الشهير "القوة الناعمة"، وتمثل ذلك عند أوباما بالتخلي أولا عن فكرة مفادها أن التهديدات الأمنية "ترتبط جوهريا بالحلول العسكرية لا السياسية"، ثم إفساح المجال أمام دبلوماسية ناشطة، فكتب يقول "لا انسحاب من العالم ولا محاولة إخضاعه بالقوة: يجب أن نديره من خلال الأعمال والمثال".

هل فعلها أوباما مع العرب في ربيعهم أو خريفهم وربما شتائهم الذي لم يتبلور بعد؟

حتما إن الحديث الدائر الآن في الأروقة الخلفية الأميركية عن القيادة الأميركية من وراء الكواليس، عطفا على تحريك الخيوط من وراء الستار، يؤكد أن شيئا ما قد جرى تفعيله على الأرض، وأن أدوات كثيرة قد تم بالفعل استخدامها، وفي مقدمتها سلاح الإعلام. وليس أدل على ذلك من المقال الساخر الذي نشرته مجلة السياسة الخارجية الأميركية، في عدد يناير ـ فبراير الماضي، أي قبل بدء المظاهرات الثورية على الرئيس المصري السابق حسني مبارك، تضمن كثيرا من النكات التي استهدفته، وكأنها تشارك في التمهيد لإزاحته، الأمر الذي توج في نهاية الثمانية عشر يوما، عمر ثورة 25 يناير، بالعبارة الأميركية الشهيرة "الرحيل الآن يعني الآن".

هل أوباما ماض في طريق تنفيذ استراتيجية واعية "للقيادة من الوراء"؟

قطعا إن ما جرى مع النموذج الليبي يؤكد أن ذلك كذلك، وأنه يدفع بموجب تلك الاستراتيجية الآخرين للعمل من أجل تحقيق النتيجة التي تريدها واشنطن، ولكن دون أن تظهر الولايات المتحدة بمظهر من يدير الأمور ويحركها. وهذا ما أكده مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية لمجلة "نيويوركر"، بالقول "إنه خلافا لرؤية" جون واين لأميركا في العالم، ثمة اختلاف بين نهج أوباما بالعمل "بهدوء هادئ" متعدد الأطراف، وبين أحادية راعي البقر التي اتبعها جورج بوش، وخاصة غزوه العراق.

غير أنه ومع المزايا التي تبدو جلية في نهج أوباما الأخير، إلا أن نقدا يوجه لفكرة القيادة من وراء الكواليس ويراها فكرة غير سديدة.

عند "مايكل سينغ"، المدير الإداري لمعهد واشنطن والمدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأميركي، أن مساوئ ذلك النموذج كانت على نفس الدرجة من القوة، وأولها عقلية القيادة من وراء الكواليس التي بدا أنها توجه إدارة أوباما، ليس فقط خلال الصراع الليبي، ولكن أيضا في ما يتعلق بالربيع العربي بوجه عام. وقد صورت الإدارة الأميركية هذا النهج بأنه العمل بصبر على تجميع تحالف، والسماح لشركاء محليين مثل المعارضة الليبية أو المصرية، بأخذ الصدارة. ومع ذلك ينظر إلى النهج الأميركي في الشرق الأوسط على نحو أقل خيرية، إذ ينظر إلى واشنطن على أنها تتخلف عن الآخرين، في انتظار أن تسفر الأحداث عن محصلة واضحة أو يتم فرض قرار تخلقه الأحداث.

والواضح أنه نقد لا يخلو من وجاهة ما، إذ يتطابق مع ما جرى في مصر. فقد مر الموقف الأميركي من الثورة المصرية بمراحل متغيرة، تتراوح بين تسويف الوقت والتماهي مع نظام مبارك، ثم توجيه النقد مع ارتفاع ضجيج ثوار التحرير، وصولا إلى شعار حتمية "الرحيل الآن".

وفي كل الأحوال، تبقى علامة الاستفهام: هل نحن إزاء محاولة أميركية أخيرة للفرار من براثن نبوءة قاتلة، ذهبت إلى نهاية عصر قوتها وحضورها الطاغي في الشرق الأوسط في العقود القادمة، وذلك عبر القوة الناعمة والقيادة المتوارية بعدما فشل نموذج التدخلات العسكرية المباشرة؟!