ليس بدعا من القول؛ أنّ دافع الانتماء لدى الإنسان يظل قوة تتعاظم منذ ميلاده، يكون دونها كالشجرة التي تقف في مهب الريح؛ لا جذور لها تقويها، ولا ثمار لها تجعل الناس تهوي إليها، فلا هي قادرة على البقاء، ولا رغبة للغير في الارتباط بها. وهكذا هو الانتماء أو علاقة الإنسان بالمجتمع المحيط به؛ إنّه كالبذرة التي تزرع في الأرض وتنتظر الرعاية والعناية.
إن حب الطفل لأمه يولد معه، يأنس بها دون أن يدركها إدراكا كاملا، كما الوطن. فالانتماء هو جوهر الطبيعة البشرية السوية، والتقاء الفرد بالأرض والمجتمع، هو الحالة التي بغيرها يكون الفرد غير سوي أو معتل الفكر أو البدن أو الاثنين معا. الانتماء الحقيقي هو أن يتنازل الفرد عن مصالحه الضيقة لصالح من يشعر بالانتماء إليه والارتباط به، وعن حريته في سبيل ما يؤمن به. وهو ما ميز الله ـ عزّ وجلّ ـ به الإنسان عن باقي مخلوقاته، إنّه انتماؤه للأرض.. هذا الانتماء الذي يجعل بذل الروح في سبيل الدفاع عن حبات رمالها عن طيب خاطر، ومن مات دونها عند الله شهيد.
الانتماء للوطن هو ذلك الكائن الحي، الذي يجعل عيون البعيدين عنه تفيض دمعا حين تتذكر دروبه، والقلوب تتحرق شوقا إلى ملامسة حبات رماله. وأتذكر معلم اللغة العربية حين قال لنا ذات مرة: إن من نعم الله على الصالحين ـ وهم يتنعمون في جنانه ـ أن صورة أوطانهم تكون ماثلة أمام أعينهم، رغم أنهم قد تركوا دنيا الناس إلى دار الخلد. وكأن الله ـ عزّ وجلّ ـ يكافئهم بحبهم لأوطانهم وإخلاصهم لها.
وفي هذا الصدد، أود الإشارة إلى أن نظامنا التعليمي، وهو يسعى للاستفادة من كافة المدارس التربوية العالمية وأحدثها، لا بد أن لا يغيب عنه أننا نسعى إلى تكوين شخصيةٍ مِن نبت هذه الأرض، مختلفة في خصائصها، حتى وإن كانت هناك معالم إنسانية يشترك فيها البشر جميعا. ومن هذه الخصائص التي يحتاج إليها الإنسان ـ مهما كان لونه وعرقه وطائفته ـ قوة الجذب نحو مركز يبتعد عنه أحيانا ولكن لا ينفك منه؛ ألا وهو الوطن الذي تكتحل العيون برؤيته، وترى كل ما فيه جميلا مهما كانت رؤية الآخرين له..
وتهنأ النفس بالإقامة فيه ـ مهما كان ـ دون أن تقارنه بغيره، وتسري الحياة في أوصال البدن عندما تتنسم عبيره، ويبذل فيه الإنسان روحه رخيصة في سبيل الحفاظ عليه. عندئذ تصغر كلمة الانتماء وتصبح غير معبرة عن هذه الحالة الشعورية الفريدة من الارتباط، ليتحول هذا الانتماء إلى ولاء، والفرق بينهما كبير؛ فالولاء أكبر من أن توثق علاقتك بوطنك بشهادة ميلاد أو أوراق ثبوتية، إنك ابن هذه الأرض، وولاؤك يعني أن روحك من روحها..
وأنها وطن يعيش فيك.. وليس أرضًا تعيش عليها. تتوق شوقا إليها كما المحب الولهان، الذي يتلظى بهجران حبيبته وفراقه لها. تستعر غيظا وحنقا على من جار عليها، أو يود أن يوقع الأذى بها، حتى عند موتك يكون قبرك في عمق ترابها. تفرح لانتصاراتها، وتحزن لانكساراتها. هنا يصير الوطن كائنا حيًّا تناجيه وأنت على يقين أنه يستمع إليك، وتعاتبه حين يقسو على أبنائه.. والشواهد في منطقتنا عديدة...
والحق أن طبيعة الحياة التي نعيشها الآن، بوتيرتها المتسارعة وتعقيداتها ومتطلباتها وأنويتها وتقنياتها التي زادت من المسافة بين الأجيال وأضعفت من تواصلهم، تحتم علينا ونحن نستلهم قوّتنا من روح اتحادنا، أن نتحلى بمزيد من التناغم في انتظام أبناء جلدتنا وأهلينا حول القيم والمعايير النابعة من ثقافتنا التي نشأنا عليها؛ لأنها هي الضامن والحافظ لنسيج هذا المجتمع، مهما كان نصيبنا من قيم الحداثة وما بعدها، بل هي التي تعطي لأبناء هذا المجتمع تميزه وتفرده، وتحمي وحدته واتحاده، هذا الاتحاد الذي قَهر من خلاله أبناء الإمارات عزلتهم عن بعضهم البعض، وبحثوا في وقت مبكر عن الاندماج في إطار كيان أكبر وأقوى، ببصيرةِ قادة أخلصوا لوطنهم، وبذلوا أرواحهم فداء له، وبخلَف حملوا الأمانة، وصانوها، ونموها، حتى صارت الإنجازات مشهدا مألوفا في دولتنا..
كما أنه من الأهمية بمكان نشر القيم التي تعزز الانتماء والولاء لهذا الوطن، ونحتها في قلوب وعقول أبنائنا، بما يحققّ الحفاظ على مكتسباته، بدءا بالأسرة؛ لما لدورها من أهمية في تعظيم مشاعر الانتماء من خلال العدالة والمساواة، ومرورًا بالمدرسة، واكتمالا بباقي المؤسسات المعنية بالدولة، فضلا عن تعظيم قيمة العمل دون ضربة الحظ، وتعزيز ثقافة الاستهلاك، وغرس قيمة العلم والتعليم، وأن به تبنى الأمم وتحقق الإنجازات دون ثقافة المباهاة، والاعتزاز بتراثنا وحضارتنا، في الوقت الذي نفيد فيه من تجارب غيرنا دون إحساس بالعجز والانكسار، وتعظيم قدراتنا على إيجاد حلول للتحديات التي تواجهنا ببصيرتنا ورؤيتنا. ومن يفقه تاريخ دولتنا يعرف كيف كان غيرنا يراهن على فشل مشروعي الاتحاد أولا والنهضة ثانيا، في ظل تحديات كبيرة...
ولكن خاب ظنهم. ساعد على ذلك إتاحة القيادة السياسية في الدولة، بل وسعيها منذ بدء مسيرة الاتحاد وحتى الآن، على تمكين أبناء المجتمع للقيام بأدوارهم، وحثهم على ذلك، إضافة إلى خلق بيئة مواتية محفزة للإنجاز، واستقطاب الكفاءات المخلصة لتحقيق ذواتهم، كل في مجاله. فكان انتماؤهم الذي تمثل في وعيهم بالظروف المحيطة بوطنهم ومدى تَعقُّد المشكلات التي تواجههم، والعمل مع الأغلبية ولصالح أبناء وطنهم، بعيدا عن الفردية والمصالح الصغيرة، وإدراكهم أن البذل من أجل الصالح العام هو الهدف الأسمى الذي يجب السعي إليه أو الموت دونه.
وبنظرة أوسع.. فإن الانتماء للوطن هو الحل لكثير من المعضلات التي تعاني منها أمتنا العربية، من اضطرابات عرقية أو دينية أو نزعات انفصالية، وهو الخلاص لها من كل أدرانها وعللها، وهو الدواء الشافي، مما استعصى عليها من حلول، وهو الأمان والحصن من كل الأخطار والعواصف التي تضرب استقرارها، وهو المعين لها على استكمال مشوار التنمية وثقل مسؤوليته التي تنوء بحملها الجبال، فبدونه يغترب الفرد وإن كان بين أقرانه، وهو قيمة لا تدانيها قيمة. فما أحوجنا ونحن نعيش نفحات روح الاتحاد، أن نتمثل هذه القيم في أنفسنا ونغرسها في ما حولنا، لتكون بلادنا وطنا يعيش فينا وليست أرضا نحيا عليها.